كنت عند ماما بروح أطمن 2

وقف موظف المجمع الحكومي يقلّب في أوراق ملف بابا بنظرة ممله، وأنا واقفة قصاده وطرف شالي بين إيديا المرتعشة، أطراف صوابعي أحياناً تتلج وأحياناً تعرق من شدة التوتر. كل ثانية كانت بتمر عليا في الطابور ده زي سنة كاملة. كنت بفكر في أمي اللي سبتها في البيت قاعدة على نار، وبفكر في الدهب اللي بعته وراحت منه أول نص مصاريف، وفي طارق وشكل الغرور والشماتة اللي كان في عينه وهو ماشي امبارح.

“المعاش ده مش واقف عشان ورق ناقص يا أستاذة…” قالها الموظف وهو بيرمي الملف على المكتب بلامبالاة ويعدل نظارته.

نزلت الكلمة عليا زي الصاعقة. سقطت إيدي على حافة المكتب وقولت بصوت مقطوع: “يعني إيه؟ يعني إيه مش واقف عشان ورق ناقص؟! أمال واقف بقاله ست شهور ليه؟! أختي وجوزها قالوا إن السيستم واقع وإن الأوراق محتاجة تحديث!”

الموظف بصلّي باستغراب ونفخ بضيق: “يا مدام ركزي معايا… المعاش مش موقوف من الهيئة، المعاش ده بيتحول شهرياً بانتظام على الحساب البنكي الخاص بوالدتك، ومفيش أي قرش اتعطل! المعاش شغال وسليم مية في المية!”

حسيت إن الأرض بتلف بيا، ورجلي مش شايالاني. أخدت خطوة للورا وسندت على الحيطة المبلولة في الممر الضيق بتاع المجمع.

“شغال؟!” تمتمت بيني وبين نفسي. “طب والفلوس بتروح فين؟ أمي بقالها ست شهور ما استلمتش مليم، وطارق كان بيدخل بيتها باللقمة والجنيه ويقول المعاش واقف!”

طلعتجري من المجمع الحكومي، والتليفون في إيدي بيرن على أختي هيام. المرة دي مكنش فيه تردد ولا خوف، كان فيه بركان بيغلي جوايا. هيام ردت بعد رابع رنة، وصوتها كان باين فيه العياط والبهدلة.

“هيام!” صرخت فيها وأنا بتنفس بصعوبة في الشارع. “إنتي فين دلوقتي؟ إنتي وطارق ضاحكين على أمي في إيه؟ المعاش شغال وبيتحول كل شهر! الفلوس بتروح فين يا هيام؟ طارق بياخد معاش بابا لحسابه وبيمنّ على أمي بأكله بفلوسها هي؟!”

سكتت هيام لحظة، وبعدين انفجرت في العياط بصوت يقطع القلب: “يا هدى تعاليلي… تعاليلي الشقة عندي بسرعة، أنا طارق طردني من البيت ورمى هدومي بعد ما مشيتوا امبارح! تعالي وأنا هحكيلك الكارثة اللي طارق جابها لبيتنا ولأمي!”

أخدت تاكسي وطرت على شقة هيام. لقيتها قاعدة على السلم بره الشقة، شنطة هدومها جنبها ووشها متورم من الكدمات. المنظر كان يرجع العقل ورا. جريت عليها وحضنتها، ونسيت في لحظة كل غضبي منها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *