كنت عند ماما بروح أطمن 2

نزلت السلالم بسرعة ودقات قلبي بتسبق خطواتي. علبة الدهب كانت محشورة في قاع شنطتي، ومسكاها بإيدي من جوه الشنطة وكأنها طوق النجاة الوحيد اللي هينقذ أمي وهيرد لها كرامتها. طول الطريق لبيت ماما، كانت الأفكار بتطحن في دماغي طحن. مش قادرة أصدق إن الراجل اللي أختي اتجوزته وكنت فاكراه ابن ناس وشه سمح، بيستغل نقطة ضعف ست كبيرة ومريضة عشان يفرض سيطرته ويذلها في أكل أحفادها.
أول ما وصلت العمارة، وقفت تحت شوية أجمع أنفاسي. حاولت أظبط وشي ونبرة صوتي عشان ما أظهرش إني داخلة أعمل مشكلة، لكن جوايا كان فيه غضب لو طلبتيه يحرق بلد هيحرقها. طلعت السلم خطوة بخطوة، وطلعت المفتاح اللي معايا من زمان وفتحت الباب بالراحة.
البيت كان هادي جداً، وصوت التلفزيون واطي ومبحوح. مشيت في الصالة بالراحة لحد ما وصلت لقصاد أوضة نوم ماما. لقيتها قاعدة على طرف السرير، لافّة الشال على كتافها، وماسكة شريط الحقن الفاضي في إيدها، وبتبص له بشرود والدموع نازلة على خدها من غير صوت.
المنظر ده كسرني نصين. المنظر ده خلاني أعرف أد إيه أنا كنت عمياء، وأد إيه كنت قاسية لما مشيت امبارح وزعلت منها بدل ما أحس بالوجع اللي هي عايشة فيه.
“ماما…” ناديت عليها بصوت واطي ومجهد.
اتخضت وبصت لي بسرعة، وحاولت بمهارة مسح دموعها بطرف الشال، وحاولت ترسم ابتسامة باهتة على وشها وهي بتقول: “هدى؟ تعالي يا بنتي… جيتي بدري النهارده يعني؟ الولاد كويسين؟”
قربت منها، وقعدت تحت رجليها على الأرض، وحطيت راسي على ركبتها زي ما كنت بعمل وأنا صغيرة. أول ما لمستها، جهشت بالبكاء. بكيت بكاء طالع من جوه قلبي، بكا على كل سنة مرت وأنا فاكرة إني ببرّ أمي لمجرد إني بروق لها البيت أو بعمل لها لقمة، في حين إنها كانت بتتداس كرامتها عشان ما تشيلنيش هم.
رفعت أمي وشي بإيديها المرتعشة، وقالت بخوف: “في إيه يا هدى؟ مالك يا بنتي؟ جوزك فيه حاجة؟ الولاد جرالهم حاجة؟ تتكلمي يا بنتي خوفتيني!”
مسكت إيدها وبستها وقلت: “الولاد كويسين، وجوزي بخير يا ماما… أنا اللي أسفة. أنا اللي جيت أعتذر لك عن امبارح وعن كل يوم شكيت فيه إن قلبك اتغير من ناحيتي أو من ناحية عيالي.”

