رجعت مطعمي من غير ما أقول لحد،بقلم ساندي احمد

الجزء الرابع
من اليوم التالي، بدأت صفحة جديدة في تاريخ مطعم البرنس. ناهد أفرغت مكتبها القديم، ووضعت فيه كومة من الأوراق القديمة.. عقد الشّراكة الأصلي، وورقة التنازل الموقعة بخط حسين، وصور التأسيس الأولى. وعلّقت صورة جديدة بجانب صورة الافتتاح صورة لحسين واقفًا في المكان نفسه، بابتسامةٍ تضيء المكان كله، وتحتها كُتب الشريك المؤسس والضمير الحي للمكان.
دعته ليجلس معها في اجتماع مجلس الإدارة الأول.. لم يكن هناك أعضاء آخرون غيرهما، لكنهما قررا أن يضعا معًا القواعد الجديدة
لا حجوزات تُحجز بأسماء وهمية لمنع غير المستحقين من الدخول.
كل من يأتي يُكرّم بقدر ما يملك من احتياج.. لا تمييز بين غني وفقير.
الشكاوى تُقرأ كل صباح، وتُعالج في نفس اليوم.
باب المطبخ مفتوح للجميع.. من يريد أن يتعلم أو يساعد فمرحب به.
أبوكِ كان بيقول الرزق اللي بيجي بكرامة ما بيخلصش قال حسين وهو يقرأ اللوحة التي كتباها معًا وعلّقاها عند المدخل.
ناهد بدأت تفتح دفاتر المكان القديم، تراجع الأسماء القديمة، تبحث عن العمال الذين عملوا مع أبيها، وتعيد التواصل معهم. وجدت أن بعضهم تقاعد، وبعضهم مرض، وبعضهم بدأ مشروعًا صغيرًا خاصًا به. قررت
أن تخصص جزءًا من ربح المكان كل شهر كمساعدة لمن تضرر منهم.. وبدأت بزيارة كل واحدٍ منهم بنفسها.
في هذه الأثناء، تعلم محمود بسرعةٍ مذهلة. كان يأتي باكرًا قبل الجميع، يفتح الباب، يضيء المكان، يرحب بكل داخلٍ بابتسامةٍ لا تُشبه غيرها. لم يكن يميّز بين أحد.. يُعين الكبير ويُكرّم الصغير، ويستمع لمن يشتكي ويبادر لمن يحتاج.
ذات يوم، جاء رجلٌ يرتدي ملابس بسيطة، ومعه أطفاله الأربعة، وطلب طاولة صغيرة في الركن البعيد. لم يتردد محمود.. أعدّ لهم أفضل طاولة، وقدّم لهم طبقًا من الحلويات مجانًا بابتسامةٍ دافئة. لما حاول الرجل أن يدفع ثمن الحلويات، قال محمود
هدية من المكان.. لما تشرفونا بوجودكم.
الرجل نظر إليه بامتنانٍ عميق
المكان ده بيتغير يا ولدي.. كنت أجي زمان وأحس إني في بيتي.. وفترة كنت أحس إني غريب.. ورجعت أحسّه بيتي تاني.
كلمات الرجل وصلت لمسامع ناهد، فابتسمت وقالت لحسين
سمعتِ؟ الناس بتحسّ بالتغيير قبل ما يتقال لهم.
مرّت أشهر، وازداد الزبائن توافدًا.. ليس فقط لأن الأكل لذيذ، بل لأنهم وجدوا شيئًا نادرًا الاحترام. الأخبار انتشرت في الأحياء المجاورة، في الجرائد المحلية، في صفحات التواصل الاجتماعي.. مطعم يُكرّمك لشخصك لا لما في جيبك.
لكن التغيير لم يكن سهلًا دائمًا. واجهت ناهد اعتراضات من بعض الموردين الذين اعتادوا على المعاملة السريعة غير الدقيقة، ومن بعض الزبائن الذين كانوا يفضلون المعاملة الخاصة. وذات يوم، جاءت امرأة غنية مع أصدقائها، وطلبت أن تُقعد في نفس الطاولة التي كانت تحبّها دائمًا، رغم أنها كانت محجوزة لغيرها. لما اعتذر محمود بأدب، ڠضبت وقالت بصوتٍ عالٍ
أنا دافعة أكتر من غيري! المفروض ليّ الأولوية!
محمود ردّ بهدوءٍ وثبات
الفلوس بتدفع ثمن الأكل يا سيدتي.. بس مكانكِ واحترامكِ بيقاسوا بذوقكِ وأدبكِ. المكان ده ما بيعمل تمييز بين حد وحد.
المرأة صُدمت.. لم تتوقع ردًا كهذا. ترددت قليلًا، ثم جلست في الطاولة التي أُعطيت لها، وتناولت طعامها بصمتٍ، وغادرت دون كلام. لكن بعد أيام عادت.. جاءت واعتذرت لمحمود علانية، وقالت
كلامك صح.. كنت محتاجة حد يقولي كده.



