رجعت مطعمي من غير ما أقول لحد،بقلم ساندي احمد

الجزء السادس والأخير
مرّ عامان كاملان.. المطعم لم يعد مجرد مكانًا لتناول الطعام. أصبح ملتقى للناس، مدرسةً للأخلاق، ومثالًا يُحتذى به. توسعت قاعاته، فُتحت فروعٌ له في مناطق أخرى، وكلها تديرها نفس المبادئ الكرامة أولاً، والعدالة قبل الربح، والاحترام للجميع بلا استثناء.
في يومٍ احتفالي كبير، اجتمع المئات من الناس في القاعة الكبرى للمكان. كان بينهم أهل الحي، العمال القدامى والجدد، الزبائن، وممثلون عن الجهات التي تُدعمها المؤسسة. في مقدمة الجميع وقف حسين، وشعره الأبيض يلمع تحت الأضواء، وناهد بجواره، ومحمود بجانبهما.
الناس بتسألني كيف رجع المكان لما كان وأحسن قال حسين بصوتٍ مسموعٍ للجميع وأقول لكم المكان ما تغيرش.. رجع لما كان عليه من أول يوم. كنا نفتح الباب ونقول أهلًا بكم.. ولم نكن نسأل من أنتم. الفترة اللي فاتت ضاع منّا الطريق.. وردّنا إلينا ضميرنا.
ناهد تكلمت بعده
أبي ترك لي اسمًا عظيمًا.. لكنه ترك لي واجبًا أكبر. والفضل في كل ما تحقق يعود لمن حفظ السر طوال السنين.. لمن صبر وسكت ولم يطالب بحقٍ لنفسه.. لعمّي وشريكي حسين الفيشاوي. ولمن أثبت أن الأمانة تُعرف بصدقها لا بمنصبها.. لمحمود.
تصفيقٌ حادّ ملأ المكان، ودموع الفرح امتزجت مع ابتسامات الحضور.
بعد الاحتفال، وقف الثلاثة وحدهم أمام البوابة القديمة التي شهدت على كل شيء.
كنا نحلم بده زمان قال حسين بصوتٍ خاڤت بس حلمي ما كانش يصل لهذا الحد.
الحلم يكبر لما يتشارك ردّت ناهد وما يبقاش لشخص واحد.
محمود نظر إلى الصورة الكبيرة المعلقة على الجدار رفعت وحسين في شبابهما، يبتسمان للقادم من الأيام، ثم نظر إلى الاثنين بجواره
علمتوني إن المكان الحقيقي مش بالحيطان.. باللي بيدخلوه ويخدموه. وإن أعظم ورث ممكن ناخده هو الأخلاق والقيم.
وفي المساء نفسه، كُتبت جملة جديدة فوق الباب الخارجي للمطعم، بحروفٍ نحاسيةٍ لامعة، لا تمحى ولا تُبدّل
هنا لا يُقاس أحدٌ بماله.. بل بما يحمله في قلبه من كرامةٍ وإحسان.
مرّت السنين.. بقي المكان شامخًا، يُعلم كل من يأتيه معنى الكرم الحقيقي. حُفظت قصة حسين في دفاتر المكان، وتُحكى للأجيال الجديدة، ليبقى الدرس خالدًا أن من يتنازل عن حقه لخير الناس، لا يخسر شيئًا.. بل يكسب احترام الأبدية.
وأما شيرين، فعادتها الحياة لتعلمها ما لم تتعلمه في المكان.. عملت في أماكن أخرى، ومرّت بها المواقف نفسها، حتى أدركت خطأها، وعادت ذات يومٍ لتعتذر وتطلب العمل من جديد كمتطوعة.. تقف في المطبخ وتغسل الأطباق، تقول أبدأ من الصفر.. عشان أتعلم كيف أخدم الناس بقلبي قبل يدي.
قصة البرنس لم تكن قصة ربحٍ وخسارة.. بل قصة عودةٍ إلى الجذور، إلى ما يجعل الحياة تستحق أن تُعاش العدالة، والكرامة، والحب الذي لا يفرّق
بين أحدٍ وبين أحد.
هذا ما تركه لنا رفعت وحسين.. وهذا ما ستبقى الأجيال تُحافظ عليه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *