رجعت مطعمي من غير ما أقول لحد،بقلم ساندي احمد

الجزء الثالث
كان صمتهما ثقيلًا، يملأ المكان بكل ما لم يُقال. ناهد شعرت وكأنها تُعاد ولادتها من جديد.. كل ما ظنته ملكًا موروثًا بلا فضل، تبين أنه هديةٌ كبرى قُدمت لها بصمتٍ وتضحية. رفعت رأسها ونظرت إلى حسين بعينين دامعتين
أنا مش عارفة أشكرك إزاي.. مش عارفة أقولك إيه.. كل ده وأنتِ صابر كل السنين دي؟!
الصبر مش صعوب يا بنتي لما يكون على خير ردّ بهدوء الصعب إنك تشوف اللي بنيتيه بيتحول لشيء تاني.. المكان ده ما افتتحناه عشان نعامل الناس بمالهم أو بملابسهم.. افتتحناه عشان نأكل الناس ونخدمهم بكرامة. ده كان شرطنا الأول من جاء إلينا أكرمناه، غنيًا كان أو فقيرًا.
كلماته كالسيف وقعت على شيرين التي كانت تقف على مقربة، تحمل صينية الطعام بيدين مرتعشتين. أحست بكل كلمة كأنها تُوجه إليها مباشرة، وكأن كل نظرةٍ منها للرجل العجوز كانت خطيئةً لا تُغتفر.
ناهد التفتت إليها فجأة، وملامح وجهها تغيرت

تمامًا
شيرين.. سمعتي اللي قاله؟
سمعت.. همست بصوتٍ بالكاد يُسمع.
أنتِ اللي قلتلي إن المكان بيعرف يفرق بين الزباين؟ قالت ناهد بحدة أنتِ اللي بتقولي إنك عارفة مين يقدر يدفع ومين لأ؟!
شيرين أخفضت رأسها
أنا.. ما قصدتش.. كنت فاكرة..
ما فكرتيش! قطعتها ناهد بصرامة حكمتِ عليه بملابسه.. بقدمه.. بسنّه! المكان ده ما بناه الأغنياء يا شيرين.. بناه اللي تعبوا وكدّوا ووقفوا جنب بعض! واللي تعمل كده ما تنفعش معانا أبدًا!
ساد صمتٌ ثقيل.. محمود وقف مذهولًا، يدرك أن اللحظة الحاسمة قد أتت. ناهد نظرت إليه ثم إلى شيرين
أنتِ عارفة إن عندي ملف الشكاوى كلها.. وكنت براجعها من يومين. شكاوى كتير بتقول إنك بتقعدي ناس وتتجاهلي ناس تانيين.. وكنت مستنية أتأكد بنفسي. واليوم شفت بعيني كل حاجة.
شيرين رفعت عينها پذعر
يعني إيه يا ناهد؟
يعني إنك تسيبي المكان من غير رجعة قالت ناهد بثبات مكان ما فيه عدالة ما فيه رزق. وكل من يظن إن البشر يتفاضون بفلوسهم ما ينفعش يخدم هنا.
بكت شيرين، توسلت، واعتذرت، لكن ناهد كانت حازمة
القرار اتخذ. أجرك كامل سيدفع لكِ لآخر يوم عملتِ فيه.. أرجوكِ اجمعي أغراضك واخرجي بهدوء.
حين غادرت شيرين المكان، لم يبقَ سوى ناهد وحسين ومحمود. ناهد تنهدت بعمق وكأنها ألقت حملًا ثقيلًا
أنا آسفة يا عم حسين.. آسفة إنك جيتي لقيت الحال كده.. وعد مني.. المكان هيرجع زي ما كان.. وأحسن.
حسين ابتسم بصفاء
أنا واثق فيكِ يا بنتي.. أبوكِ ربّاكِ على الخير، وأنا شايفه في عينيكِ.
ثم الټفت إلى محمود الذي كان واقفًا في مكانه لا يجرؤ على الاقتراب
وأنتِ يا بني.. تعرف لما سألتني عن الصورة قلتلك إني عرفت رفعت لما كان مديون أكتر ما عنده؟
أيوه يا حاج ردّ محمود بتواضع.
عشان كده ما تحكمش على حد من مظهره أبدًا قال حسين بجدية اللي عنده في قلبه أكتر وأهم من اللي في جيبه. وأنتِ أثبتّ ده النهاردة.. سقيتني مية لما غيرك شافني وما شافش حاجة. ده أصل نقي.. حافظ عليه.
ناهد نظرت إلى محمود بابتسامةٍ فخورة
أنتِ شفت كل حاجة النهاردة.. وعرفتِ مين الغلط ومين الصح. عايزك تاخد مكان شيرين.. مسؤول الاستقبال.. من اليوم.
محمود تجمد من المفاجأة
أنا.. بس يا سيدتي.. أنا لسه جديد..
الجدية مش بالسنين يا محمود قالت ناهد بحنان بالأمانة.. والذوق.. والضمير. وأنتِ أثبتّ إنك أهل لهذا المكان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *