رجعت مطعمي من غير ما أقول لحد،بقلم ساندي احمد

الجزء الخامس
مع مرور الوقت، أصبح حسين جزءًا لا يتجزأ من المكان. كان يأتي كل صباح، يجلس في زاويته المعتادة، يتحدث مع الزبائن القدامى، ويحكي للجدد قصة المكان. لم يتدخل في الإدارة، لكن ناهد كانت تعود إليه في كل قرارٍ مهم، وتأخذ برأيه في كل أمرٍ يخص مستقبل المكان.
ذات مساء، وبعد أن أغلق المكان أبوابهما، جلست ناهد وحسين ومحمود حول الطاولة الكبيرة، يشربون الشاي الدافئ، وتنظر كل منهم للآخر بابتسامةٍ مليئة بالرضا.
كنت خاېفة لما جيتني أول مرة قالت ناهد كنت فاكرة إنك جيت تطالب بحقك وتاخد نص المكان وتمشي.. ما توقعتش إنك تفضل وتساعدني أبنيه من جديد.
حسين ضحك بصوتٍ خفيفٍ دافئ
أنا ما جيتش آخذ يا بنتي.. جيت أشوف.. ووجدت إن المكان محتاج إيد تانية تساعدك. والحق ما يتقسم بيننا.. هو ملك للجميع.. للي عمله، وللي بيجي بعدهم.
ثم أخرج من محفظته ورقةً قديمة مطوية بعناية، مدّها إليها
دي الورقة الأخيرة.. اتفاق سري بيني وبين أبوكِ.. يقول إن المكان لما يكبر ويقوى، يبقى ملكًا للناس كلهم.. مش لشخص ولا لورثة.. وإن أرباحه تُصرف على من يحتاج من أهل الحي، وعلى تعليم الأيتام، وعلى إطعام الفقراء.
ناهد قرأت الورقة بيدين مرتعشتين، ثم رفعت عينها بدمعٍ سعيد
يعني.. أبوي كان عايز المكان يبقى وقفًا خيريًا؟
بالضبط هزّ رأسه كان بيقول المكان ده ما بنيناه لنا.. بنيناه للي يجي بعدنا. وكل ما زاد خيره زاد نماؤه.
لم يتردد ناهد لحظة..

في الصباح التالي، ذهبت مع حسين ومحمود إلى الجهات المختصة، وسجلت المكان كوقفٍ خيري باسم مؤسسة رفعت وحسين للكرامة والغذاء. لم يعد ملكًا لأحدٍ.. أصبح ملكًا للجميع، يُدار لخير الناس، لا لربح فردٍ بعينه.
الخبر انتشر كالڼار في الهشيم.. أصحاب المحلات في الحي، الزبائن، العمال.. كلهم تحدثوا عن هذا القرار بفخرٍ وإعجاب. لم يكن مجرد مطعم يغير إدارته.. كان نموذجًا جديدًا لما يمكن أن تكون عليه الأعمال تخدم الناس لا تُستغلهم، تبني المجتمع لا تُفارقه، وتعطي أكثر مما تأخذ.
محمود تغيرت حياته تمامًا.. من شابٍ يبحث عن عملٍ ليكفي قوت يومه، إلى مديرٍ لمؤسسةٍ تحمل رسالة نبيلة. لم يغير ملابسه البسيطة، ولم يتكبر على أحد، بل ازداد تواضعًا واجتهادًا. كان يقول دائمًا
الناس بتشوفني مدير.. وأنا شايف نفسي حارس على أمانة كبيرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *