اللحظه الاخيره1

اتصلتُ بزوجي ثلاثين مرة… فقط لأخبره أن أمه تحتضر.لكنه كان يقضي عطلته على جزيرة استوائية مع امرأة أخرى.ودّعتُها وحدي… ودفنتُها وحدي… واستقبلتُ المعزّين باسمه وحدي.
ثم عدتُ إلى المنزل، خلعتُ خاتم زواجي، وضعته فوق أوراق الطلاق، واختفيتُ… دون أن أترك خلفي أي أثر.
ـ «إلى متى ستظلين تتصلين بي بهذا الشكل يا مريم؟! أنا في منتصف صفقة عمل لا تحتمل أي إزعاج!»
خرج صوته غاضبًا عبر مكبر الهاتف.
لكن الذي فضحه لم يكن غضبه…
بل الأصوات القادمة من الجهة الأخرى.
هدير أمواج هادئة…
موسيقى استرخاء…
رنين كؤوس…
وضحكات امرأة شابة تقترب منه أكثر مما ينبغي.
في تلك اللحظة، لم أحتج إلى دليل آخر.
الرجل الذي أقسم أنه في رحلة عمل عاجلة… كان يستمتع بإجازة فاخرة، بينما كانت والدته تحتضر على بعد مئات الكيلومترات.
أغلقت الهاتف بهدوء.
هدوء أخافني أنا نفسي.
ثم التفتُّ إلى الطاولة الصغيرة بجوار الموقد.
هناك كانت تستقر شهادة الوفاة…
وبجانبها نظارتها الطبية…
وسبحتها…
والمنديل الذي كانت لا تفارقها رائحته.
كل ما تبقى من «أمينة»…
المرأة التي عشت معها قرابة عشرين عامًا.
لم تكن بالنسبة لي مجرد والدة زوجي.
كانت أمي التي لم تلدني.
الوحيدة التي احتضنتني عندما كان ابنها يتركني أبكي وحدي.
حتى اللحظة الأخيرة…
لم تكن تعرف أنه لم يأتِ.
كانت تفتح عينيها كل بضع دقائق، وتنظر نحو باب غرفة العناية المركزة.
وكأنها تنتظر أن يدخل طارق في أي لحظة.
أما أنا…
فكنت أرفع الهاتف كل مرة، وأعيد الاتصال.
مرة…
اثنتين…
عشرًا…
عشرين…
ثلاثين مرة كاملة.
وفي كل مرة…
إما يرفض المكالمة…
أو يتركني أستمع إلى رنين طويل ينتهي بصمت أكثر قسوة من الموت نفسه.
بعد وفاتها…
لم يظهر.
أنهيتُ وحدي إجراءات الغُسل.
وقّعتُ أوراق الدفن.
استخرجتُ تصريح الدفن.
استقبلتُ المعزّين.
تلقيتُ العزاء باسمه.
ورددتُ على عشرات الأسئلة التي كان جوابها الوحيد:
«طارق مسافر… وسيعود قريبًا.»
كنت أكذب لحمايته…
بينما كان هو يضحك على أحد الشواطئ.
لم أبكِ أثناء الجنازة.
ولا في المقبرة.
ولا بعد عودتي إلى المنزل.
آخر دمعة خرجت مني…
سقطت داخل غرفة الطوارئ في الليلة السابقة.
حين أمسكت يدها الهزيلة، وأنا أحاول للمرة الثلاثين أن أصل إلى ابنها.

