حكايات اسما 2

حماتي، التي كانت ترتدي العباية الشيك وتتباهى أمام العائلة بأنهم كانوا يجيبون “شيف مخصوص” للعزومات للتقليل مني، وجدت نفسها فجأة في مواجهة الواقع المُر. أثاث شقتها الفاخرة، ومجوهراتها، والسيارات، كلها أصبحت تحت بند التحفظ والضبط القضائي لصالح الديون والتعويضات والمخالفات المالية الضخمة.
في صباح يوم جلسة المحاكمة الأولى، كنت أنزل من سيارتي أمام مبنى المجمع القضائي. كنت أرتدي بدلة رسمية سوداء ونظارة شمسية، وأمشي بخطوات ثابتة وواثقة، ويرافقني أستاذ عادل وفريق المحاماة الخاص بشركتي.
عند مدخل القاعة، كانت هناك تجمعات من أقارب العائلة؛ أولئك العشرين فرداً الذين كانوا يقعدون على السفرة الكبيرة، يضحكون وياكلون من الأكل الذي جهزته من الساعة 5 الصبح، والذين ضحكوا عندما قال أحمد قدامهم: “اللي بتطبخ مكانها المطبخ”.
أول ما شافوني، ساد الصمت التام بينهم.
حماتي كانت واقفة بينهم، لابس عباية سوداء بسيطة، وشها شاحب، وتحت عينيها هالات سوداء عميقة من كثرة السهر والبكاء. لم تعد تلك المرأة الاستعلائية التي تنظر لي بقلة احترام.
اقتربت مني بخطوات ثقيلة وهي تبكي بكسرة، ومسكت في طرف جاكيتتي وقالت بصوت مبحوح ومكسور:
— “نوران… يا بنتي… عشان خاطر ربنا احمينا. أحمد وأبوه جوة في الكلبشات… لو قريتي شهادتك في النيابة وأثبتِ إن الفواتير دي أحمد عملها من غير علمك، هيتشدوا في سجنات طويلة. أرجوكي يا نوران… تنازلي عن القضايا، إحنا أسفين، أنا أستاهل الجزم إن إمبارح ما حطيتلكيش كرسي… بس بلاش !”
بصيت لها بهدوء، وشلت إيدها عن جاكيتتي بالراحة وبكل احترام، وبصيت في عينيها وفي عينين كل قرايبها اللي كانوا واقفين متدمرين وخايفين.
قلت لها بصوت هادي وواضح سمعوه كلهم:
— “يا طنط… يوم العزومة، إنتِ قلتِ لي ‘كل بيت وله إمكانياته’. وأنا قلتلك الحمد لله إمكانياتي كويسة. والنهارده، بالقانون والأصول، إمكانياتكوا طلعت تلاعب وغش وغدر، وإمكانياتي طلعت حق وشرف وعرق. أنا ما ظلمتش حد، ابنك وأبوه هما اللي ظلموا نفسهم وظلموكي معاهم يوم ما افتكروا إن الفلوس الحرام والحقارة والتقليل من الناس ممكن تبني بيت أو تعمل رجالة.”
في تلك اللحظة، خرج أحمد وحمايا من سيارة الترحيلات وهما مكبلان بالكلبشات الحديدية، يحيط بهما حراس أمن المحكمة.

