حكايات اسما 2

بعد أسبوعين من المؤتمر الصحفي، كنت أقف في موقع مشروعنا الجديد، أتابع تجهيز فرعنا الضخم الجديد. كانت الشمس تشرق، وأصوات العمال والموظفين تعبئ المكان بالنشاط والتفاؤل.

وفجأة، رأيت سيارة تاكسي تقف بعيداً. نزل منها أحمد.

كان شكله متغيراً تماماً؛ ذابلاً، يرتدي ملابس بسيطة، وتبدو عليه علامات الإرهاق والسهر. وقف على بعد خطوات مني، يخاف أن يقترب من رجال الأمن المحيطين بالمكان.

نظر إليّ بعينين ملؤهما الندم والترجي، وقال بصوت خافت ومكسور:

— “نوران… ممكن أتكلم معاكي دقيقة واحدة؟ بس دقيقة.”

وقفت أمامه بثبات، حاطة إيدي في جيوب بالتوّي الأبيض الأنيق، وبصيت له بنفس البرود اللي سبته بيه يوم العزومة.

قلت له:

— “خير يا أحمد؟ أفتكر إن المحامين قالوا كل حاجة والمحكمة حددت الجلسة الجاية.”

قرب خطوة وقال بصوت يرتجف:

— “أنا أكلت حقك ودمرت نفسي… أبويا طردني من البيت ومن الشركة بعد ما خسرنا كل حاجة، وشهد اختفت أول ما الفلوس اتجمدت والقضايا نزل عليا… أنا أكتشفت إن محدش حبني ولا عملي قيمة غيرك. أنا مستعد أعمل أي حاجة، أقف تحت رجليكي، بس سامحيني وارجعيلي… أنا ندمان يا نوران، والله ندمان.”

دمعة نزلت من عينه، دمعة استعطاف مكسورة من راجل كان من أسبوعين بس بيقول قدام 20 فرد: “اللي بتطبخ مكانها المطبخ”.

ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة امرأة عرفت قيمتها وقوتها، وما بقتش تنخدع بالدموع المزيفة.

قلت له بصوت واطي وواضح:

— “عارف يا أحمد… يوم ما قلتلي الجملة دي قدام أهلك، أنا ما زعلتش منك… أنا زعلت على نفسي إني ضيعت 7 سنين مع راجل فاكر إن الكرامة واللقمة اللي بياكلها مالهاش قيمة. أنت صح… أنا مكانتني في المطبخ… بس المطبخ ده هو إمبراطوريتي اللي بنيتها بعرقي، واللي أنت وغيرك بقيتوا تحلموا بفتحة باب منها.”

لفت وشي واديت له ظهري، وناديت على الأمن:

— “يا جابر… الأستاذ غريب عن المكان، أسمحوا له يتفضل لبرة عشان عندنا شغل.”

سمعت صوته وهو بينادي عليا وبيعيط بصوت عالٍ، والأمن بياخدوه بهدوء ويدفعوه لبرة المقر، بينما أنا مشيت بخطوات ثابته وواثقة ناحية مكتبي الجديد…

كنت فاكرة إن دي نهاية القصة وأني أخذت حق كامل والملف اتقفل… لكن الأيام كانت مخبية مفاجأة ثانية، غيرت مجرى الأحداث كلياً وجعلت أحمد وعيلته يواجهون مصيراً أصعب بكثير مما توقعوا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *