ابن سلفتي حكايات زهره الربيع ٣

أبو رحمة ما قدرش يرفع عينيه في العمدة ولا في الحاجة. رفع إيده نفسه كف على وشه من الخزي، وإخوات رحمة هجموا على أبوهم وعمهم بغضب من اللي لبسوهالهم قدام البلد.
في اللحظة دي، سمعوا صوت فتح باب الشباك الصغير بتاع المنور، ورحمة خرجت تجري من الطرقة وهي حاضنة ابنها وبتبكي بدموع هستيرية، اترمت تحت رجلين الحاجة أم جوزك وهي بتصرخ:
“أنا ماليش صالح يا حاجة! والله حامد وأبوي هما اللي أجروني وعملوا اللعبة دي! أنا لما شفت حامد هيبيع كل حاجة ويترمي علينا الفضيحة، سرقت العقد وجريت لعلية بالليل عشان أنقذ نفسي وابني! علية هي اللي حمت ابنكم من النار وهي اللي أنقذت البيت ده من !”
الكل بص لك.. الرجالة، العمدة، المأذون، الحجة، وحتى مجدي.
إنتي كنتِ واقفة عند أول السلم، إيديكي المحروقة المربوطة بالشاش مرفوعة قدام صدرك، عينيكي مليانة شموخ وكبرياء، بصيتي لحامد وأبو رحمة وقولتي بصوت ثابت يقطع النفس:
“الأرض البور يا رحمة.. مش الست اللي مابتخلفش. الأرض البور هي القلوب السودا اللي زي قلوبكم، اللي بتاكل في شقى غيرها وتتمنى خراب البيوت عشان قيراطين طين! أنا إيدي اتسلخت في النار عشان أحمي عيل مالوش ذنب، وإنتوا كنتم بتطبخوا ناري ونار جوزي على أمل إننا ننتهي!”
مجدي بص لك بنظرة ندم وبكاء لم تريه منه طوال حياتك. مسك حامد من قفاه ورمى به برة باب الحوش على التراب قدام كل الرجالة، وصرخ بصوت زلزل الشارع:
“الأرض دي مش هتتباع! وحق مراتي وحق إيديها دي هاخده منك ومن كل واحد افترى عليها بالقانون وقبل القانون بالشرع!”
العمدة بص للمأذون وقال: “المأذون مش حد النهاردة.. المأذون هيستنى لما نصلح دي ونحبس الحرامية!”
البيت اتقلب تماماً. أبو رحمة وإخواته أخدوا بعضهم وجروا في ضلمة الفجر من الخزي ، وحامد اترمى برة البيت زي الكلب ، ورحمة قاعدة على الأرض تحت رجلين الحاجة تبكي وتسترحم.
مجدي قرب منك بخطوات بطيئة، نزل على ركبتيه قدامك على السلم، ومسك طرف جلابيتك وباسه وهو بيعيط بصوت مكتوم:
“سامحيني يا عليه.. سامحيني يا أطهر ست دخلت البيت ده. أنا كنت عظيم في عين نفسي، وطلعت عمى قدام صفا قلبك وشجاعتك.”
إنتي بصيتي له، سحبتي جلابيتك بالراحة من تحت إيده، وبصيتي للفجر اللي بدأ ينور الحوش كلياً، وقولتي بهدوء يرعب:

