سـم حمـاتي ج 2 حكـايات مني السيد حصري

الهوا في الصالة كأنه اتسحب فجأة، وبقى المكان زي قبر مقفول بقاله سنين، مفيش فيه غير صوت رنين أنفاس طارق وهي طالعة محروقة، متقطعة، كأن جمر بيتقلب في صدره. التسجيل خلص، بس الصدى بتاعه كان لسه بيلف في السقف، بيخبط في الحيطان ويرد في وش كل واحد واقف.
حماتي وقفت مكانها، دمها هرب من عروقها لحد ما شفايفها بقت زرقة زي الميت، عينيها بتلف في الصالة كأنها بتدور على حفرة في البلاط تنشق وتبلعها قبل ما العيون دي كلها تنهشها. ونجوى اتسمرت ورا عمود الصالة، بتسحب رجلها ببطء، وشها كان بيعرق عرق بارد، ومطبقة إيديها الاتنين على صدرها كأنها بتحمي نفسها من طوبة هتترمي عليها في أي ثانية.
طارق فضل باصص لأمه، إيده اللي كانت مرفوعة عشان يضربني بيها نزلت وسقطت في جنبه ميتة، مشلولة. الصدمة كانت أكبر من عقله، أكبر من طاقته على الاستيعاب. الراجل اللي كان طول عمره شايف أمه هي البركة، وهي الست اللي ضحت وشالت بعد موت أبوه، اكتشف فجأة إن نفس الإيد اللي كانت بتطبطب عليه هي الإيد اللي بتدس السم لعياله في لقمتهم، وبتخطط عشان تهدم بيته طوبة طوبة ببرود أعصاب يخوف.
قرب طارق منها خطوة، خطوة تقيلة كأنه شايل جبل فوق كتافه، وصوته طلع واطي، بس تقيل ومرعب، فيه شرخ ميتصلحش ده أنتي يا أمي؟ ده صوتك؟! عيالي أنا؟! عمر ومازن لحمي ودمي، تخليهم يكرهوا أكل أمهم ويبصوا لغيرهم؟! عشان إيه؟! عشان فلوس؟ عشان شقة؟ عشان تكسري واحدة متكلمتش ولا اشتكت ولا قالت في يوم إني مقصر معاها؟! ده أنتي يا أمي؟!
حماتي اتلجلجت، حاولت تبلع ريقها اللي نشف، وطلعت منها نبرة مهزوزة، كدابة، مش لاقية أرض تقف عليها يا.. يا طارق، يا ابني افهم، ده.. ده كان كلام حريم، ده تقطيع وقت! إنت هتصدق التليفونات والألاعيب دي وتسيب أمك؟! البت دي مسجلالي عشان تخرب بيتك! إنت مش عارف كيد النسا؟! دي عايزة تفرق بيني وبينك عشان تاخدك لحسابها وتطلعك برة البيت ده!
وهنا، الصوت اللي هز الصالة مكنش صوت طارق.. كان صوت الحاج عبد الرحيم، عم طارق. الراجل الصعيدي وقف بطوله، هيبته بالجلابية الصوف والعباية السمرا وعمامته العالية كانت كفيلة تلجم أي لسان. خبط عصايته في الأرض خبطة تالتة، خلت الكوبايات على السفرة ترن، وعينيه اللي زي الصقر كانت بتبص لمرات أخوه بقرف وازدراء عمره ما ظهر في وشه قبل كده.
الحاج عبد الرحيم اتكلم بنبرة صعيدية حامية تقطع في اللحم كلام حريم يا أم محمود؟! الحريم اللي من صلبنا ومن بيوتنا بيستروا على لحمهم، بيصونوا النعمة ويداروا على العيبة! الحريم الأصايل لما يشوفوا الواد بياكل كسرة عيش حاف، يروحوا يغمّسوها له بعسل من ورا الخلق عشان ميتكسرش قدام عيال عمه! مش يقفوا على الباب يتسنطوا، ويدخلوا يعايروا، ويكسروا خاطر الصغيرين عشان شوية غل وكره عمى عينك وقلبك؟! أخوي الله يرحمه مات وخلّف وراه راجلين، سايبهم في بيته مستورين، تقوم أنتي تخربي بيت ابنك بيدك وتخليه يمد إيده على مراته في حضرة عمه ورجالة عيلته؟!
حماتي حطت وشها في الأرض، أول مرة في حياتي أشوف الست دي راسها في الطين كده، هي اللي كانت بتمشي في الشارع رافعة مناخيرها للسما والكل بيعمل لها ألف حساب.
الحاج عبد الرحيم لف وشه ناحية نجوى، اللي كانت هتدخل في الحيطة من كتر الخوف، وقال بصوت حاد كالسكين وأنتي يا مرت الصغير! أنتي اللي جاية من بيت ناس ونقول عليكي عاقلة، تقعدي مع حماتك تسخني وتضحكي على لقمة ضرتك وسلفتك؟! فرحانة بولادك وبالمظاهر الكدابة وجوزك مديون لطوب الأرض ومستلف من ورا الناس عشان ترضي غرورك؟! والله لو ابني متجوز واحدة زيك تعمل العمايل دي في بيت العيلة، لكان رماكي لبيت أبوكي من الفجرية بلا رجعة!
جوز نجوى، محمود، اللي كان واقف مذهول ومصدوم في مراته، وشه بقى أحمر زي الدم من الإحراج والخزي. قرب من نجوى ومسكها من دراعها بعنف، جرجرها لورا وقالها بصوت مخنوق من الكسرة اطلعي فوق يا نجوى! اطلعي شقتك ومتورينيش وشك خالص النهاردة.. حسابي معاكي لما العزومة دي تعدي، اطلعي!! نجوى جريت على السلم زي الفار المبلول، رجلها بتخبط في عبايتها، وطلعت شقتها وقفلت الباب وراها برزعة سمّعت العمارة كلها.
في اللحظة دي، طارق كان لسه واقف مكانه، عيونه متبتة في أمه، والصدمة بدأت تتحول لغضب كاسح. قرب من أمه أكتر، وقالها بنبرة ميتة ليه يا أمي؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟ كل قرش بيطلع من جيبي بتعرفي بيه، عمري ما دخلت البيت بفاكهة ولا حاجة حلوة لعيالي إلا لما كنت بنزل نصها عندك تحت! أسماء كانت بتتحرم من التوب الجديد وتلف الطرحة القديمة مية مرة عشان لما تحتاجي علاج أروح أجيبهولك قبل ما تطلبي! عيالي كانوا بياكلوا المكرونة والبيض ويقولوا الحمد لله يا بابا، وإنتي تنزلي تكسريهم؟! عايزاني أطلقها؟ عايزة تخربي بيتي عشان أرجع أقعد تحت رجلك زي العيل الصغير تديني مصروفي بإيدك؟! ده اللي ربيتينا عليه؟!
حماتي بدأت تعيط بجد، مش تمثيل المرة دي.. عياط الخزي، عياط الواحدة اللي اتعرت حقيقتها قدام الناس كلها ومبقاش عندها درة ستر تحميها يا طارق يا ابني.. الشيطان شاطر، أنا مكنتش أقصد، أنا بس كنت عايزة.. كنت شيفاها واخدة اهتمامك كله وعيالها ماليين عليك الدنيا.. أنا أمك يا طارق، هتبيع أمك عشان كلمة اتقالت في ساعة غضب؟!
مش كلمة! الصوت ده كان صوتي أنا.. خرجت خطوتين لقدام، وقفت في نص الصالة، عيني في عين حماتي بكل شموخ، وبكل قوة السنين اللي اتدفنت تحت الصبر والسكوت. قلت لها مش كلمة يا حماتي.. ده كان نظام حياة بقالك ست شهور ممشياه علينا. ست شهور وأنا مستحملة نظرات القرف، مستحملة تعليقاتك السمجة، مستحملة لما تقولي للعيال يا معفنين، مستحملة لما تدخلي شقتي بالمفتاح من غير ما تخبطي وتفتشي في الحلل زي المفتشين! ست شهور وكل ما أقول لطارق يقولي معلش دي أمي، دي بركة البيت، استحملي عشان خاطري.. وكنت بستحمل وأبلع الزلط! بس تيجي لحد كرامة عيالي،

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *