جمعية حكايات اماني السيد 2

تطلعت إلى طقم المعالق الفضي الموضوع على طاولة الطعام، وابتسمت لنسختي القديمة التي كانت تبكي على الأرض: “لقد عدنا يا فادية.. أقوى، وأعز، وأجمل مما كنا عليه دائماً”.
مرّت الأيام متلاحقة، واستقرّت حياتي في شقتي الجديدة التي كانت كل زاوية فيها تشهد على انتصاري وكرامتي المستردة. الفلوس التي أخذتها من علي لم تكن مجرد تعويض مالي، بل كانت بمثابة رأس مال لإنقاذ مستقبلي وإعادة رسم خريطته من جديد. قررت ألا تظل هذه الأموال مجرد رقم في البنك، بل أن أحولها إلى كيان استثماري يضمن لي الاستقلال المالي التام، حتى لا أكون تحت رحمة وظيفة أو شخص مرة أخرى.
استقلت من عملي القديم الذي شهد على أحزاني وضغوطاتي، وبدأت في تأسيس مشروعي الخاص: معرض ومؤسسة متخصصة في تجهيز العرائس والديكور الداخلي. كنت أعرف المحلات، الخامات، وأسرار السوق بحكم تجربتي الطويلة في الشراء والتجميع. سميت المشروع “فادية هوم”، وجعلت شعاره الأساسي: “بيتك بلمستك.. وعرقك في مكانك الصح”.
في البداية، كان الأمر يحتاج إلى مجهود خرافي. كنت أستيقظ مع الفجر، أتابع مع المصانع والموردين، وأشرف بنفسي على نقل البضائع وتنسيق المعرض. استعنت بـ “نهى” صاحبتي التي تركت هي الأخرى شغلها القديم وانضمت إليّ لتتولى إدارة المبيعات والتسويق الإلكتروني. المعرض في خلال أشهر قليلة أصبح حديث المنطقة، لاسيما وأننا كنا نساعد البنات والعرائس في التجهيز بأسعار عادلة وبنظام أقساط مريح وبدون استغلال.
في يوم من أيام العمل المزدحمة بالمعرض، كنت أقف أتابع تركيب إحدى الواجهات الزجاجية الجديدة، حين لمحت شخصاً يقف على الرصيف المقابل، يتأمل اليافطة الضخمة التي تحمل اسمي.
كان هذا الشخص هو علي.
توقفت حركة إيدي لثانية واحدة، لكن قلبي لم يدق بخلجة خوف واحدة. كان يرتدي ثياباً مهلهلة، ووجهه ذابلاً، وعلى كتفه حقيبة ظهر قديمة. عرفت فيما بعد من المعارف أنه أصبح يتنقل بين أعمال حرة بسيطة لا تسد رمقه، بعد أن طرد من عمله وتخلت عنه أسرته تماماً، وبات يبحث عن يوميته ليدفع إيجار الغرفة الحقيرة التي يسكنها في أطراف المدينة.
نظر إليّ علي من بعيد، ورأى النجاح الذي أرفل فيه، ورأى الزبائن التي تدخل وتخرج من المعرض، والعمال الذين يأتمرون بأمري. كانت عينوه مليئة بحسرة وندم يتجاوزان الحدود، ندم الشخص الذي ألقى بجوهرة نادرة في التراب ليأخذ مكانه حصاة مكسورة.


