جمعية حكايات اماني السيد 2

خرج علي من قسم الشرطة بكفالة مالية مؤقتة على ذمة قض\ية تبديد المنقولات وخيانة الأمانة، لكن الخروج من المحبس لم يكن سوى بداية النزول إلى الهاوية. الخزي الذي تكلل به أمام جيرانه وأصهاره كان أسرع انتشاراً من النار في الحطب. في ظرف أيام قليلة، كانت قصة “الزوج الذي سرق شقى زوجته ليتزوج به أخرى” هي الحديث الشاغل للجميع في المنطقة وفي مقر عمله.

أما أنا، فلم أعد تلك المرأة التي تنتظر على الهامش مجيء معجزة، بل أصبحت المحرك الأساسي لكل خطوة تُتخذ. كنت أستيقظ كل صباح وأنا أشعر بقوة غريبة تسري في جسدي، قوة وُلدت من رحم القهر والظلم. ذهبت مع المحامي إلى محكمة الأسرة والنيابة العامة لنتابع سير القضايا المرفوعة. لم نكتفِ بمحضر المنقولات، بل قدمنا كشوفات حركة الحسابات البنكية، وإيصالات استلام أموال الجمعيات الأهلية التي كنت أشترك فيها، بالإضافة إلى شهادة الشهود من زميلاتي في العمل وأصحاب المحلات التي اشتريت منها الأثاث والأجهزة.

في أحد أيام الجلسات الأولي للنيابة، كنت أقف في الممر العريض للمحكمة، جدرانها العالية وصوت الأقدام المترددة فيها كان يعطي انطباعاً بجدية الموقف. رأيت علي مقبلاً من بعيد برفقة محاميه. كان شكله قد تغير تماماً في غضون أسبوعين؛ وجهه شاحب، ذابيل العينين، ويرتدي ملابساً مجعدة لم يعتد أن يرتديها. اختفت نبرة الاستعلاء والغرور التي كانت تطبع تصرفاته طوال سنوات زواجنا.

حين رآني، وقف لبرهة، ثم أومأ لمحاميه كي ينتظره وقرب مني بخطوات متثاقلة. كان محاميّ أحمد يقف بجانبي، فأشرت له بأن يترك لي مساحة بسيطة.

قال علي بصوت خافت وخانق، خالي من أي نبرة تحدٍّ:

— فادية.. ممكن نتكلم دقيقة واحدة من غير المحامين؟

رددت بنبرة صلبة هادئة، وأنا أنظر في عينيه مباشرة دون أن ترمش لي عين:

— مفيش كلام بيننا يا علي خارج قاعة القاضي. الكلام اللي كان المفروض يتقال، أنت مسحته يوم ما سيبت الجواب والمفتاح على الترابيزة وهربت.

حاول أن يمد يده بلفتة رجاء، لكنه تراجع بسرعة حين رأى ثباتي:

— أنتِ دمرتيني يا فادية.. عمي أخد بنته ورفع عليا دعوى بطلان زواج وفضخ عقد الشقة، وأهلي مش قادرين يرفعوا عينهم في حد بسبب الكلام اللي بيتقال في الشارع. الشقة الجديدة صاحبها فسخ العقد وطردني منها بعد المشاكل والشرطة. أنا أعدت في الشارع، والديون ملاحقاني من كل ناحية!

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *