حكايات اسلام احمد 3

في اللحظة دي، وفي وسط الذعر اللي كان بياكل في أجساد عيالي، طار من قلبي أي أثر للخوف. وقفت قدامهم، بجسمي النحيف المهدود من الضرب، وحطيت إيدي في جيبي… وطلعت التليفون!

التليفون مكنش مكسور زي ما افتكروا.. التليفون كان شغال، وعلى الشاشة كان واضح إن فيه مكالمة مفتوحة ومسجلة من أول ما اتنين الرجالة دخلوا!

رفعت التليفون في وش الراجل الصعيدي بصوت ثابت زي الصخر، صوت حاد كسر صمت الصالة: “المكالمة دي مفتوحة مع الرائد هشام في مباحث المخدرات من عشر دقائق.. وكل كلمة قلتوها، وتحديدكم بالق/تل، والمس/دس اللي حطيتوه على الترابيزة، متسجل بالصوت والتفاصيل وصوت موقع الشقة متبوع بالجي بي إس!”

الراجلين اتجمدوا في مكانهم. عيونهم اتسعت بذهول وصدمة، والراجل اللي سحب المسدس سحب إيده بسرعة كأنه مسك جمرة نار. مرّت ناصر وشها اتقلب أصفر زي الليمونة المعتصرة، ورجعت خطوتين لورا برعب.

“أنتي بتلعبي بالظبط يا ولية؟!” زعق الراجل الصعيدي وهو بيحاول يقرب مني، بس صوت سارينات الشرطة اللي بدأ يعلو في الشارع تحت العمارة صرعه في مكانه!

السارينات كانت بتقرب بسرعة، أصوات السرعة والدبات الثقيلة كانت نازلة تلف المنطقة. أنا مكنتش سكت لما طلعت من القسم الصبح، كنت واخدة رقم الضابط المباشر للملف، وأول ما الباب اتزق والرجالة دخلوا، فتحت الخط وسجلت المكالمة من غير ما حد يحس!

“اخلع يا معلّم! المنطقة اتقفلت!” زعق الراجل التاني وهو بيسحب صاحبه من جلابيته.

في ثواني معدودة، جِروا الاتنين على السلم زي الفئران المذعورة، وزقوا مرّت ناصر في طريقهم حذفوها على الحيطة، وهربوا من الباب الخلفي للعمارة قبل ما المباحث تطوق الشارع.

الصالة رجعت سكتت تاني، بس السكوت المرة دي كان مختلف.. كان سكوت الانتهاء.

أحمد رفع رأسه ببطء، بصلي بعيون غرقانة دموع وذهول، كأنه أول مرة يشوفني. بص للست اللي استحملت الذل والظلم والضرب، وفي الآخر هي اللي وقفت وحمت البيت وحمت عياله من الموت والخراب.

قرب مني بخطوات مرتعشة، نزل على ركبه قدام رجلائي، ومسك ذيل جلابيتي المدمية وبكى.. بكى بصوت طالع من قاع قلبه: “سامحيني يا هناء.. سامحيني يا أم إبراهيم.. أنا كنت أعمى.. كنت ضاحي بيكِ وبأولادي عشان وهم كداب اسمه بيت العيلة.. أنتي اللي حاميتيني وحميتي شرفي وعيالي لما أنا عجزت!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *