حكايات اسلام احمد 3

طلعت من باب القسم والشمس كانت بتتسلل بين العماير القديمة، ساطعة وباردة في نفس الوقت. عيالي كانوا ماشيين جنبي زي الخيالات، ساندين على بعض ومستخبيين في ذيلي كل ما عربية تعدي أو حد من الناس يبص علينا. الشارع كان هادي، بس جدران منطقة العيلة كانت لسه بتنطق بالفضيحة.
وصلنا البيت. الباب الخشب القديم كان مكسور ومحطوط على جنبه بالورب، ومفصلاته المتخلعة بتبص للشارع زي الجرح المفتوح. الصالة جوة كانت عبارة عن خرابة؛ أثاث متكعبل، سجادة الصالة مقلوبة وعليه بقع دم ناصر المشفة، وريحة رطوبة ومية الحمام المقلوبة طالعة تخنق الصدر. مراته مكنتش جوة، كانت هربت بعيالها عند أهلها أول ما المباحث مشيت، وسابت الشقة زي المأتم المهجور.
قعدت العيال على الكنبة القديمة في الأوضة الجوانية، وقفلت الباب علينا بالترباس الداخلي الوحيد اللي فاضل شغال. مسكت حتة قماشة بلتها مية، وبدأت أسمسح الوشوش الصغيرة اللي انطبعت عليها آثار الرعب والتراب. ابني الصغير كان بيبصلي بعينين واسعين ومطفيين، وسألني بصوت طالع بالقطارة: “هو بابا لما يرجع من السفر.. هيضربنا زي عمو ناصر؟ هو بابا زعلان عشان طلعنا عمو للشرطة؟”
الكلمة نزلت على قلبي زي المطبك الحامي. حضنته بقوة ولزقت وشه في صدري: “لا يا حبيبي.. بابا مش هيضربكم، بابا جاي عشان يحميكم.. وما تخافش من حد تاني في البيت ده طول ما أنا حية.” بس الكذب كان واضح في صوتي، وأنا عارفة إن أحمد مراجعش عشان يحمينا، أحمد راجع وهو شايف إن مراته هي اللي هدّت المعبد على رأس العيلة.
اليومين اللي فاتوا كانوا أطول من سنين عمري كلها. المنطقة كلها كانت بتتكلم، النسوان على البيبان والشبابيك بيتهامسوا، وناس تقول إن ناصر مظلوم وأم إبراهيم هي اللي ألبست له التهمة عشان تطرد العيلة وتستفرد بالبيت، وناس تقول إن البيت ده كان مأوى للسموم من زمان. ومكنش قدامي غير إن أدعي ربنا إن الطيارة تتأخر، إن الوقت يقف وما يجيش اللحظة اللي هسمع فيها صوت خطوة أحمد على السالم.
وفي اليوم التالت، وعلى أذان العصر، سمعنا الصوت.
مش خبطة ولا دبة.. كانت خطوة حزينة، ثقيلة، بتتسحب على السلم الخرساني زي ما يكون صاحبها شايل جبل على كتفه. عيالي اتجمدوا في مكانهم، وابني الصغير استخبى تحت البطانية.

