حكايات اسلام احمد 3

الباب المكسور اتزق ببطء، وظهر أحمد.
كان واقف في فتحة الباب، شنطة السفر الكبيرة مرمية على الأرض جنبه، وشه أسود من تعب الطريق وكسرة النفس. هدومه اللي نزل بيها من المطار كانت متبهدلة، وعينيه الغرقانة في الدموع والغضب كانت بتدور في الصالة الخرابة. بص على بقعة الدم المجففة على السيراميك، بص على باب الحمام المفتوح، وبعدين رفع عينيه وبصلي وأنا واقفة في باب الأوضة.
المكان كان ساكت سكون يرعب، مفيش غير صوت أنفاسنا ومروحة السقف اللي بتزن بصوت مزعج.
أحمد مشي خطوات هادية ناحيتي، خطوة بخصوص خطوة، وهو ساكت تماماً. لما قرب مني، شفت التغير المرعب في وشه.. أحمد اللي سافر وهو بيضحك عشان يوفرلنا لقمة العيش، راجع وشه زي الحجر القاسي، مفيش فيه أي رحمة ولا شوق.
“فين العيال؟” قالها بصوت وطي خالص، صوت جاف زي الخشب الناشف.
“جوة.. نايمين جوة،” رديت بثبات بحاول أظهره بالعافية.
عدى من جنبي ودخل الأوضة، بص على العيال وهم مستخبيين تحت الغطا ومغمضين عينيهم كأنهم نايمين، يقرب منهم ولمس راس ابني الصغير ببطء شديد، وإيده كانت اترعشت. وبعدين لف وخرج للصالة تاني، وشارلي بصباعه أجي وراه.
وقفت قدامه في الصالة المهدومة، وهو وقف حاطط إيديه في جيبه وباصص للأرض، وبعدين رفعه وشه وقال: “أنا رحت النيابة الأول يا هناء.. قبل ما أجي هنا. رحت شفت أخويا في التخشيبة.”
قلبي انقبض وسكت.
كمل أحمد ونبرة صوته بدأت تعلى وتترعش بالغل: “شفت أخويا الشقيق.. ابن أمي وأبويا.. محبوس في جحر مع المجرمين، وشه متخيط بسبع غرز، وجسمه متقطع من الضرب.. أخويا اللي كبرت معاه في البيت ده، بقى متهم بتجارة المخدرات ومواجهة بالسجن المشدد لمدة خمسة وعشرين سنة!”
“أخوك كان بيتاجر في السموم يا أحمد!” صرخت فيه وأنا مش قادرة أمسك نفسي. “أخوك كان محول بيتك لوكر! وكان هيق*تل ابنك عشان مسك الكيس اللي مخبيه في الحمام! أنت زعلان على أخوك المجرم ومش زعلان على ابنك اللي اضرب بالقلم واتحبس في الضلمة؟!”
أحمد قرب مني وضغط على سنانه بغضب هز كيانه كله، ومسكني من دراعي بنفس الطريقة اللي مسكني بيها أخوه ناصر من كام يوم: “ابني كان هيتحل بالمناقشة! ابنك كان هيتضرب قلم وينتهي الموضوع بين الكبار! لكن أنتي جبيتي الشرطة في بيت أبوي! أنتي فضحتيني وسط الشارع والمنطقة! أنتي خليتي اللي يسوى واللي ما يسواش يتكلم على شرفنا وعلينا!”

