حكايات اسلام احمد 3

الراجل الكبير ضحك ضحكة مكتومة وساردة، فيها استهزاء يوجع النفس: “أسبوع؟ أنت فاكر روحك بتتعامل مع بنك يا ابن عمي؟ البضاعة دي ناس غلابة وقاسية مستنية فلوسها.. إحنا هنا مش جايين نتفاوض. الشقة دي هتتكتب تنازل رسمي دلوقتي للناس بتوعنا، وإلا تحضروا كفنكم كلكم، أنت ومرتك وعيالك!”
أول ما الكلمة طلعت من بقه، ابني الصغير صرخ بانهيار ومسك في جلابيتي: “يا ماما خدينا واجري! الموتى أهو! الراجل هيقت/لنا زي عمو ناصر!”
الصرخة دي كانت زي قلم يفوقني من كل الذل اللي عشته. بصيت لأحمد وقالت له بصوت صلب زي صخر الجبل، صوت ما سمعوش مني طوال سنين جوازنا: “سمعت يا أحمد؟ سمعت بيت العيلة اللي كنت عايز تضحى بيا وبأولادك عشانه؟ سمعت أخوك الحنين الشقيق سايبلك إيه من الغربة؟ سايبلك الموت والدين والخراب!”
أحمد انهار، وقع على ركبته على السيراميك الملطخ بدم أخوه والأوراق الصفرا، ومسك راسه بين إيديه وبدأ يبكي بكاء هيستيري، بكاء راجل شافه شقا عمره كله بيبخر في الهواء في ثانية واحدة.
الراجل الصعيدي سحب المسدس من حزامه بحركة هادية وباردة، وحطه على الترابيزة قدام أحمد، وقال بصرامة: “قدامك عشر دقائق.. يا توقع التنازل عن البيت بالكامل لينا ونطلعك أنت وعيالك بالهدوم اللي عليكوا، يا إما الدم هيغرق الصالة دي أكتر ما هي مغرقة!”
مرت ناصر كانت بتبصلنا بابتسامة شفى وعينيها بتبخ سم، وأنا كنت واقفة بين عيالي والمسدس المحطوط على الترابيزة، والوقت كان بيمر زي عداد القنبلة.. وعرفت إن اللحظة الجاية هي اللي هتقرر مين فينا هيخرج من البيت ده حاي!
انحبس النفس في الصالة، وتجمدت العيون كلها على المسدس الأسود الرابض فوق الترابيزة، بريقه البارد بيلعن كل لحظة سكوت وضعت فيها حقي وحق عيالي.
أحمد كان جافي على ركبه، يبكي بنشيج مكسور، دموعه بتنزل على الأوراق الصفرا المرمية تحت رجليه. كان راجل اتهد في لحظة، اكتشف إن الجدار اللي سَنَد عليه طول عمره كان جدار مائل ومسموم. مرّت ناصر كانت واقفة عند الباب المكسور، عينيها مفنجرة بالتشفى، مستنية تشوفنا ون إحنا بنترمى في الشارع مطرودين ومكسورين.
الراجل الصعيدي خبط بإيده الثقيلة على الترابيزة خبطة هزت الخشب: “العشر دقائق خلصوا يا أحمد!.. امسك القلم ووقع، يا إما نبتدوا الشغل الصح!”
