حكايات اسلام احمد 3

أنا ما نزلتش لمستواه، ولا بكت. رفعت رأسي لباب الشقة المكسور، وبصيت للنور اللي كان داخل من الشارع.. نور النهار الحقيقي.
مسكت إيدين عيالي التلاتة، وقفتهم جنبي، وقلت لأحمد بصوت هاديء وقاطع، صوت مفيش فيه أي رجعة:
“أنا حميت عيالي يا أحمد.. مش عشانك، ولا عشان البيت ده. البيت ده انتهى، وبيت العيلة اللي كان مقبرة لينا اتهد خلاص. ناصر هيتربى في السجن بجرائمه، وأنت.. أنت قدامك طريق واحد: يا تبيع نصيبك في الخرابة دي وتطلع بينا ونبدأ حياة جديدة بعيد عن السموم والغل والظلم في مكان مستور ونظيف.. يا إما تقعد هنا مع ذكريات أخوك والخراب، وأنا هاخد عيالي وأمشي وما تشوفش وشنا تاني!”
أحمد مسح دموعه، قام وقاف بثبات لأول مرة من سنين، بص للورق الأصفر المرمي على الأرض، ومسكه قطّعه حتت صغيرة وطوّحه في الهواء. مسك شنطة سفره، وجِه وقف جنبي، ومسك إيد ابننا الصغير اللي كان لأول مرة ميبصش لأبوه بخوف.
“أنا ماشي معاكم يا هناء..” قالها أحمد وهو بيتنفس بألم بس بيقين. “البيت ده خلاص مات.. وإحنا رايحين نعيش.”
خرجنا من الشقة المهدومة، مشينا على السلم الخرساني اللي طالما خافوا عيالي ينزلوا عليه في الضلمة. الجيران كانوا واقفين يرقبونا بصمت، بس المرة دي مش بصدمة.. باحترام.
طلعت للشمس، مسكت إيد عيالي القوية، وأنا عارفة إننا سيبنا الخوف والظلم ورا ضهرنا، وإن اللي جاي.. مهما كان صعب، هيكون تحت نور الحقيقة والأمان اللي صنعته بإيديا.


