طليقي واختي ج 1 حكـايات مني السيد حصري
قعدوني على كرسي بلاستيك ورا عمود رخام في آخر القاعة، أتفرج على أختي وهي بتتجوز طليقي وأبو بنتي، وبكل وقاحة تبصلي وترميلي بوسة في الهوا مع ابتسامة نصر. اعقلي بقى ومتبوظيش ليلة أختك، دي كانت نصيحة أمي. بلعت الإهانة وقعدت في الضلمة، لأن بقالي 18 شهر بكتب وراهم كل مليم هربان من الحسابات. بعد ما المأذون خلص، موظف قضائي حط ورقة قدام العريس وسأله عن ست كلمات بس.. قلبت الفرح لجنازة.
إياكي تعكّري مزاج أختك وتخربي بيتها الليلة دي.
أبويا ميل على ودني وقالها بهمس، محدش في القاعة كلها سمعه غيري.
كنت محشورة في أبعد نقطة في الصالة بالتجمع، الرؤية مقطوعة بعمود خرساني ضخم، والصوت يدوبك واصلني مع الزغاريد ومراسم كتب الكتاب. وبنتي فريدة، اللي عندها تمن سنين، كانت واقفة جنب الكوشة بفستان أوف وايت وماسكة سبت الورد؛ خالتها أصرت هي اللي تزفهم.
أيوه، بنتي بتزف أبوها على أختي.
وأمي قبل ما المعازيم يكملوا، قربت مني وقالت بكل برود افهمي يا مريم، دي ليلة نهى.. وجودك في وشها ممكن يقلقها وينكد عليها، تعالي على نفسك المرة دي.
عمري كله وأنا باجي على نفسي عشان نهى تفضل مرتاحة.
من وإحنا أطفال، نهى ليها اللبس الجديد، الدلع، والطلبات المجابة. وأنا الشاطرة العاقلة اللي تجيب مجموع عالي ومبتطلبش
مليم. فهمت من بدري إن البيت فيه بنتين، بس واحدة بس هي اللي ليها تمن.
اتعرفت على شريف وأنا في نص العشرينات؛ كان لسه فاتح ورشة صغيرة لتوريد وصيانة تكييفات للشركات والمولات في القاهرة. بنينا الكيان ده طوبة طوبة مع بعض. وبحكم شغلي في إدارة اللوجستيات والحسابات، كانت شغلتي ألقط أي رقم مش مظبوط أو قرش تايه.
في الأول، شريف كان شايف دي ميزة وشطارة.
لحد ما بدأ يسحب إيده ورا ضهري؛ يغير باسووردات الحسابات، يخبي كشوفات البنك، ويرد بنبرة ناشفة الفلوس دي بتاعتي وإدارتي، ملكيش دعوة بتفاصيل شغلي.
بعد حداشر سنة جواز، رفعت قضية الطلاق.
نهى ساعتها مكانش ليها أي ذكر في الصورة.
وقت القضية، شريف وقف قدام القاضي وحلف إنه واقع ومبيكسبش، وقدم كشف حساب رسمي لبنك واحد بيقول إن رصيده فيه ملاليم وإن الشركة بتصفي وبتخسر.
بس أنا كنت فاكرة كويس.
كان فيه حساب تاني خالص في بنك استثماري، حساب بيشيل فيه عِربون المقاولات والسيولة التقيلة بتاعة الشغل. الحساب ده اتبخر ومظهرش في أي ورقة رسمية.
محاميتي، أستاذة نهاد، سألتني معاكي إثبات رسمي إن الحساب ده لسه شغال وفيه فلوس؟
رديت لأ.
قالتلي يبقى بلاش صوت عالي.. وثّقي كل حركة بالورقة والقلم. الفلوس دي لو حية، هتسيب وراها أثر ورجليها هتغرز لوحدها.
جبت أجندة صغيرة، وقعدت 18 شهر أسجل كل تعاقد، وكل فاتورة بتتسرب، وكل حركة شراء مش راكبة على إيراداته الميتة. الطلاق خلص، شريف أخد الشركة، ونفقة بنتي فريدة اتحسبت على أساس إنه راجل يدوبك بيكفي أكل يومه بالعافية.
قفلت الأجندة.. وفضلت مستنية.
بعد ست شهور، في غدا يوم جمعة عادي في بيت العيلة، شفت دراع شريف محاوط كتف نهى أختي.
أمي أول ما لمحت الصدمة في عيني، قالتلي متعمليش مشكلة، أختك أخيرًا لقت نصيبها وبقت مبسوطة.
تلت شهور بعدها، وأعلنوا الخطوبة والفرح.
نهى طالعة نازلة تستعرض خاتم ألماز حر، قاعة بمبلغ خيالي، فستان مستورد، وحجز شهر عسل في الجونة والمالديف.
ساعتها بس فهمت لو شريف ناوي يعيش أختي في المستوى ده، يبقى هيضطر يصرف من الفلوس اللي حلف على المصحف قدام المحكمة إنه مبيملكهاش.
الفلوس بدأت تنطق وتفضح كدبه.
يوم الفرح، ومن ورا العمود، سمعت المأذون بينده عشان التوقيعات.
نهى رفعت راسها، عينيها جت في عيني ورا العمود، وبكل شماتة باثت كف إيدها ورمتلي بوسة في الهوا. مكنتش حركة عفوية، دي كانت رقصة انتصار على كل السنين اللي فاتت.
مردتش.. ولا اتهز فيا عصب، بس بصيت في ساعة إيدي.
أختي كانت فاكرة إنها كسبت كل حاجة وكسرتني، وطليقي افتكر إنه دفن سرقته وشطارته للأبد، وأهلي كانوا متأكدين إني هفضل البنت الغلبانة اللي تتقبل الإهانة وتسكت.
محدش فيهم كان واخد باله من الباب اللي اتفتح، ولا من الراجل اللي كان داخل وسط المعازيم بخطوات هادية وبدلة رسمية.
وأنا نفسي، مكنتش مصدقة المشهد اللي خلاص كان على بعد ثواني.
السكوت اللي نزل فجأة على القاعة مكنش طبيعي، سكوت تقيل يخنق، كأن حد سحب الأكسجين من الصالة في لحظة واحدة. صوت الضحكات والزغاريد اللي كانت مالية المكان اتبخرت، والمزيكا اللي كان ال مشغلها ورا المأذون اتقفلت فجأة بصوت تصفير مزعج خلى كم واحد من المعازيم يحطوا إيديهم على ودانهم.
أنا كنت لسه قاعدة مكاني، ساندة ضهري على الكرسي البلاستيك ورا العمود الخرساني. ضلي كان مخفي، بس عيني كانت شايفة كل تفصيلة بتحصل في الكوشة كأنها بتتعرض على شاشة سينما. نهى كانت لسه إيدها اليمين متشعلقة في الهوا، نفس الإيد اللي كانت بتبعتلي بيها بوسة الشماتة من ثواني معدودة. صوابعها اتجمدت، والخاتم الألماز اللي عمت بيه عيون الكل لمع تحت كشاف الإضاءة الأبيض، بس الابتماسة العريضة اللي كانت مرسومة على شفايفها اتمسحت، وحل مكانها تعبير ممسوح، ملامح واحدة اتلخبطت ومش فاهمة إيه الحركة الغريبة اللي عطلت مشهد تتويجها.
شريف كان قاعد جنب المأذون، القلم الجاف الفضي لسه بين صوابعه بعد ما مضى على خانة الزوج في الدفتر الكبير.
لمحة نيوز

