عريس ضرير ٢ حكايات زهرة حصري

هالة وقفت وضربت برجلها الأرض وقالت بغل واضح
بقى كده؟ ماشي يا طنط.. بكره نشوف البشمهندس الضرير ده لما ييجي، هيعيشوا مع بعض إزاي! بكره يزهق منها ويرميها هي كمان، أصل اللي تترفض مرة، تترفض تاني عادي!
مردتش عليها. دموعي اللي كانت هتنزل من الوجع، اتحولت فجأة لدموع دهشة وأمل. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وقلبي كان بيدق بسرعة غريبة. يارب.. هل ممكن يكون ده أول خيط نور في حياتي الضلمة؟
يوم المقابلة.. حضور يهز القلوب
تاني يوم البيت كان مقلوب. أمي وهالة كانوا بيتحركوا ببرود شديد، ومحدش فيهم فكر يساعدني في لبس أو في تحضير حاجة. بالعكس، هالة لبست فستان شيك جداً وحطت ميك اب كامل، وكأنها هي العروسة، وقالت بخبث أنا هقعد عشان أطمن على أختي الكبيرة برضه. كنت عارفة إنها عاوزة تقعد عشان تتفرج وتتشفى، أو يمكن عشان توري العريس إنها أحسن مني.
أنا لبست فستان بسيط وهادي، وحطيت لمسات خفيفة جداً تداري التعب والإرهاق اللي في وشي.
والساعة دقت 7، والباب رن.
دخل الشاب

مع والده ووالدته. أول ما شوفت يوسف ده كان اسمه، قلبي اتنفض. يوسف كان طويل، عريض المنكبين، وسيم جداً لدرجة تخطف العين، ملامحه هادية ورزينة، ولابس بدلة شيك جداً مفيهاش غلطة. لابس نضارة سودا خفيفة، وماسك في إيده عصاية بيضا رفيعة ومتحركش بيها بحرج، بالعكس، كان بيمشي بثقة وهيبة كأنه شايف الدنيا كلها.
قعدنا، وأمي بدأت تتكلم بتكلف، وهالة كل شوية تضحك بدلع وتتدخل في الكلام عشان تلفت نظر والده ووالدته. بس الصدمة كانت إن والدة يوسف، الست الراقية جداً، كانت بتبصلي أنا وبس بابتسامة حنينة، وكأنها شافت في عيوني الوجع اللي مريت بيه.
بعد شوية، والده قال بذوق طب نسيب العرسان يتكلموا مع بعض شوية؟
قامت أمي وهالة ووالديه ودخلوا الصالون التاني. هالة وهي قايمة رمتلي نظرة صفرا كلها تريقة.
لغة القلوب.. أول مرة أحس إني إنسانة
أول ما الكل مشي، السكون عم المكان. كنت متوترة جداً وبفرك في إيدي. فجأة، يوسف اتكلم بصوت دافي ورخيم جداً
يا ترى يا وفاء أنتي قاعدة فين بالظبط؟ عشان أقدر أوجه كلامي ليكي مباشرة.
صوته كان فيه احترام غريب هزني. قولتله بنبرة مرعوشة أنا قاعدة على الكرسي اللي على يمينك يا يوسف.
عدل جسمه وبص في اتجاهي بالظبط، وابتسم وقال
أنا عارف إنك مستغربة موافقتي السريعة، ويمكن تكوني خايفة من فكرة إني مش بشوف.. بس أنا حابب أكون صريح معاكي من أول دقيقة.
سكت شوية وكمل بثقة
أنا خسرت بصري في حادثة من سنتين. الحمد لله على كل حال، بس الحادثة دي علمتني أشوف الناس بقلبي مش بعيني. لما طنط سعاد حكتلي عنك وعن اللي مريتي بيه، وعن قرارك بالطلاق عشان تشتري كرامتك، قولت لنفسي دي الست اللي هتقدر تحافظ عليا وعلى بيتي. الست اللي اتظلمت وقاومت، بتبقى عارفة قيمة الأمان وقيمة الراجل اللي يحترمها.
دموعي نزلت غصب عني، ومسحتها بسرعة. يوسف كأنه حس بيا، وقال بحنية
بتعيطي يا وفاء؟ أنا مش عاوزك تعيطي أبداً من هنا ورايح. أنا مش بدور على ممرضة تخدمني، أنا عندي ناس بتساعدني في كل حاجة وتدير أموري الشغل والبيت. أنا بدور على شريكة حياة.. زوجة.. وصديقة.. وعينيا اللي هشوف بيها الدنيا. أنتي موافقة تقبلي بيا بظروفي؟
حسيت في اللحظة دي إن ربنا بيطبطب على قلبي بعد سنين العذاب. قولتله بصوت مليان يقين
أنا موافقة يا يوسف.. وشرف ليا إني أكون شريكة حياتك.
الفرحة المستحيلة.. وغل القلوب
لما خرجنا وبلغناهم بالاتفاق، وش أمي وهالة اتخطف. هالة كانت بتبصلي بغل حقيقي، ومش قادرة تستوعب إزاي وفاء المكسورة والمطلقة هتتجوز الشاب ده اللي عيلته من أكبر عائلات البلد، وهتعيش في فيلا في التجمع الخامس!
تمت الخطوبة بسرعة، والكتب الكتاب والفرح اتحددوا بعد شهر واحد بس. في الشهر ده، يوسف كان بيعاملني كأني ملكة. كان بيكلمني كل يوم، يطمن عليا، يبعتلي هدايا وورد، ويفهمني تفاصيل بيته وحياته. لأول مرة في حياتي أحس إن فيه راجل مهتم بأدق تفاصيلي، بيسمعني باهتمام، وبيحترم رأيي في كل حاجة.
أما في بيتنا، فالحرب كانت باردة. هالة مكنتش بتفوت فرصة إلا وتسمعني كلام زي السم
مبروك يا وفاء، أهو على الأقل لما تتخانقوا مش هيشوف نكدك!،
لمحة نيوز
أو كويس إنك اتجوزتيه، أصل لو كان بيشوف مكنش هيبص لواحد مطلقة زيك.
كنت بسكت ومبردش، لأني عرفت إن الرد الحقيقي هيكون بحياتي الجديدة وسعادتي اللي ربنا كتبهالي.
ليلة العمر.. البداية الحقيقية
الفرح كان أسطوري في قاعة من أكبر قاعات مصر. كنت لابسة فستان أبيض زي الأميرات، ويوسف كان واقف جنبي مالي مركزه، فخور بيا قدام كل عيلته وأصحابه.
لما دخلنا بيتنا الجديد.. الفيلا اللي بتخطف العقل بجمالها ونظامها اللي يوسف مهندسه بنفسه عشان يقدر يتحرك فيه بسهولة.. يوسف مسك إيدي بحنان، وقفل الباب ورا الفراشين والشغالين اللي مشيوا، وقال لي بصوت كله حب
نورتي بيتك يا ملكة قلبي. من النهاردة، مفيش حزن، مفيش دموع، ومفيش حد يقدر يقلل منك طول ما أنا عايش.
الأيام الأولى عشت مع يوسف أيام عمري ما حلمت بيها. كان يعاملني برقة تفوق الوصف.
المشاركة كنا بنطبخ مع بعض، نضحك، ونقرأ كتب سوا. هو

كان بيسمع الكتب الصوتية، وأنا كنت بقعد أقراله الروايات اللي بيحبها وهو يركز في نبرة صوتي كأنه بيسمع سيمفونية.
الفخر يوسف كان بياخدني معاه في كل حفلات الشغل والاجتماعات، وكان بيقدمني لشركائه بكل فخر ويقول دي وفاء.. مراتي وعينيا وصمام أماني.
العدالة الإلهية.. ودوران الساقية
مرت سنة كاملة على جوازي من يوسف، سنة كانت كلها حب وأمان وعوض جميل من ربنا. وفي يوم، روحت أزور أمي بعد غياب طويل.
أول ما دخلت البيت، اتصدمت من المنظر!
البيت كان كئيب وهادي، وأمي كانت قاعدة ووشها شايل الهم. وهالة.. هالة البشمهندسة اللي كانت شايفة نفسها على الدنيا كلها، كانت قاعدة في الصالة، وشها دبلان، وعيونها منفوخة من العياط، وجنبها شنطة هدومها!
بصيت لأمي بذهول وقولت خير يا ماما؟ في إيه؟ وهالة مالها؟
أمي عيطت وقالت بحسرة
أختك يا وفاء.. اتكتب كتابها من شهرين على مهندس زميلها، كان باين عليه ابن ناس وغني ومفيش زيه.. ومن أول يوم اتجوزوا فيه وهو موريها الويل. بيشك فيها، وبيضربها، ووالدته وأخته مخلينها شغالة عندهم في البيت وبيعيروها بكل حاجة.. وباباها ومامتها طردوها النهاردة بعد ما جوزها ضربها وهانها وطردها في الشارع بالهدوم اللي عليها!
بصيت لهالة اللي كانت بتبكي بحرقة ومكسورة لأبعد حد. هالة بكت وقالت بصوت مبحوح وهي بتبص في الأرض ومكسوفة ترفع عيونها في عيوني
سامحيني يا وفاء.. أنا اتريقت عليكي وعيرتك بطلاقك، واتريقت على يوسف وعيبه.. وربنا دار الدنيا بيا وخلاني أدوق نفس الكأس اللي دوقتيه، بس على أصعب ميت مرة.. جوزي بيشوف وعيونه سليمة، بس أعمى القلب والرحمة.. ويوسف اللي كنت بقول عليه أعمى، طلع هو اللي بيشوف بقلبه وبيرعاكي ويصونك.. أنا أسفة يا أختي.
قلبي وجعني عليها رغم كل اللي عملته فيا. قعدت جنبها وأخدتها في حضني، وقولتلها المهم تكوني اتعلمتي الدرس يا هالة. ربنا مش بيسيب حق حد، والبيوت مبتبقاش بالظاهر، البيوت بتتبني بالرحمة والمودة والاحترام.
عوض الله الجميل
رجعت بيتي بالليل، ويوسف كان مستنيني بقلق. أول ما دخلت، حس بيا وجري عليا، أخدني في حضنه وقال بتوجس
وفاء؟ مالك يا حبيبتي؟ حاسس بيكي متغيرة.. أهلك فيهم حاجة؟
بصيت في عيونه اللي مش بتشوفني بالنظر، بس بتشوف روحي وجوايا، وابتسمت بدموع الفرحة والامتنان وقولتله
مفيش حاجة يا يوسف.. أنا بس كنت بفتكر قد إيه ربنا كريم، وقد إيه عوضه بيمحي أي وجع فات.. أنا بحبك يا يوسف.
يوسف ابتسم وضمني ليه أكتر وقال وأنا بعشقك يا عيون يوسف.. أنتي العوض اللي عشت عمري كله مستنيه.
وعرفت وقتها إن النصيب والقدر دايماً بيشيلوا لينا الأحسن، وإن المعيوب مش اللي عنده عيب جسدي، المعيوب بجد هو اللي عنده عيب في قلبه وأخلاقه وضميره. ربنا عوضني ب أعمى قادني لبر الأمان، بعد ما كنت مع مفتح رماني في غيابات العذاب والظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *