حكايات بسمه 3 جوزي رجع

قلتُ بنبرة حاسمة:

— هو أخذ عقوبة القانون، والآن بيواجه عقوبة الحياة. أنا عملت اللي عليّ وسلمت أوراق أرض الصعيد للمحكمة عشان أحمي نفسي من الشبهات وأديله حقه. الباقي مسؤوليته هو.

— صحيح يا مدام… بس أنا أوجبت إبلاغك عشان الإنذار بعدم التعرض ما زال ساريًا، ولو حاول يستقرب من بيتك أو من مدرست آدم، الشرطة هتتحرك فورًا.

— تمام يا أستاذ عماد. شكراً لك.

في مساء ذلك اليوم، خرجتُ من مقر شركتي في منطقة التجمع الخامس. كانت الشوارع متلألئة بالأنوار، والهواء عليلًا يحمل نسيم الفل. انطلقت بسيارتي الفارهة نحو نادي السباحة لأحضر تدريب “آدم” الأخير قبل البطولة الإقليمية.

أوقفتُ السيارة في الموقف المخصص، ومشيتُ بخطوات واثقة نحو مدرجات الحمام الأولمبي. كان “آدم” في الماء، يقطع المسافات بلياقة ورشاقة بطل حقيقي. جلستُ في الصف الأول، أتابعه بفخر وتألق، وأصفق له مع كل جولة ينهيها.

وبعد انتهاء التدريب، خرج “آدم” يرتدي ثيابه الرياضية، يحمل حقيبته الكبيرة، وابتسامته تملأ وجهه:

— ماما! الكابتن قال لي إن زماني في الـ 100 متر هو الأفضل في الفريق!

ضممته إليّ بقوة وقبلتُ رأسه:

— أنا فخورة بيك يا بطل! التعب والمواظبة دائمًا بيبان أثرهم. يلا بينا عشان نروح نتغدى.

خرجنا معًا من بوابات النادي. وبينما كنا نتجه نحو السيارة، شعرتُ بعينين تلاحقاننا من بعيد. التفتُّ ببطء دون أن أظهر أي توتر.

على مسافة أمتار، يقف رجلٌ بجانب شجرة كبيرة في الممر الخارجي للنادي.

كان رجلًا في أواخر الثلاثينيات، لكن ملامحه توحي بأنه تجاوز الخمسين. يرتدي ثيابًا بسيطة جدًا ومتهالكة، انحنى ظهره، وشاب شعره بالكامل. كفاه متورمتان من آثار سنين التخشيبة والحبس، وعيناه غائرتان تتأرجح فيهما دموع الحسرة والانكسار.

كان “أحمد”.

جمد في مكانه حين التقت أعيننا. لم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة نحو السيارة؛ فقد كان يدرك أن الحارس الشخصي للنادي والشرطة على بعد مكالمة واحدة، ويدرك قبل ذلك أن القلعة التي بنيتُها بدمي وأمانتي أصبحت أرفع من أن تطالها يداه الملوثتان بالخيانة.

أحسّ “آدم” بتوقفي، فنظر نحو اتجاه نظري. رأى الرجل الواقف هناك.

تطلع فيه الصغير لثوانٍ معدودة. لم يرتجف، ولم يستخبَّ خلفي كما كان يفعل وهو طفل في السادسة. بفضل السنوات التي ربيته فيها على القوة والصراحة، نظر “آدم” إلى أبيه بعينين هادئتين، خالتين من الكراهية وخالتين من التعاطف المزيف؛ كان ينظر إليه كرجل غريب، كغريب يدفع ثمن خطأ أرتكبه بحق نفسه وأسرته.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *