حكايات بسمه 3 جوزي رجع

>
دوت القاعة بالتصفيق المجدد، ونزلتُ من المنصة لأجد “آدم” يرتمي في أحضاني أمام الجميع.
أما عن الماضي ورجاله… فقد طوتهم الأيام في صفحات طواها النسيان.
“أحمد” خرج إلى الحياة مجرداً من كل شيء، يقتوت من عمل يدوي بسيط في إحدى المحافظات النائية، يسير بين الناس يحمل على كاهله ثقل الندم والذنب، يذكر في كل ليلة كيف خسر الزوجة التي صانته والابن الذي كان أمله، من أجل رضا أمٍّ لم تكن ترى فيه سوى أداة، وأخٍ لم يتردد في سرقته والتخلي عنه.
و”محمود” يستكمل عقوبته المشددة خلف الأسوار، معزولاً عن المال الذي سرقه وعن الدنيا التي حاول أن يبني فيها مجده المزيف.
أما “السيدة وفاء”، فقد غادرت الدنيا بعد أن رأت بأم عينيها كيف تهاوت امبراطورية الغدر التي شيدتها، وكيف تفرق أبناؤها وتشتت جمعهم، لتكون عبرة لكل من يتخذ من “الوالدية” زورا لتدمير البيوت الشريفة.
بعد انتهاء الحفل، عدنا إلى بيتنا مع تباشير الليل الهادئ. وقفتُ مع “آدم” في بالكونة الشرفة العريضة، نرقب النجوم التي تتلألأ في السماء، والهواء العليل يداعب وجوهنا.
أمسك “آدم” بيدي وابتسم بصفاء مطلق:
— ماما… تفتكري بكرة هيكون شكله إيه؟
نظرتُ إلى الأفق الممتد أمامي، إلى أضواء المدينة التي تنبض بالحياة، وقلتُ بصوت وثيق، نقي، خالي من أي شك:
— بكرة هيكون مشرق يا آدم… هيكون جميل وأمان، لأننا بنيناه بيدينا النظاف، ولأن الباب اللي قفلناه في وش الظلم والطفيليات… اتفتح مكانه ألف باب للنور والخير.
ابتسم الصغير، وضغط على يدي، ووقفنا معاً نرحب بالغد… غدٍ خالٍ من الزيف، ملكٍ للحق، ومكللٍ بالسلام.