حكايات بسمه 3 جوزي رجع

قال “آدم” بصوت خفيض وهادئ:
— ماما… ده أحمد، صح؟
التفتُّ إلى ابني، وأمسكتُ بيده بثبات:
— أيوه يا آدم… ده أحمد.
— هو عايز يكلمني؟
قلتُ له بمنتهى التوازن والرقي:
— القرار لك يا آدم. أنت دلوقتي كبرت وبقيت تفهم. لو حابب تسلم عليه أو تسمعه، أنا واقفة جنبك. ولو مش حابب، نمشي.
نظر “آدم” نحو أبيه الذي كان يتابع حوارنا برجاء يمزق القلب، أيديه المرتعشتان تدعوان بالرحمة دون أن ينطق بكلمة.
ثم التفت “آدم” إليّ، وهز رأسه بهدوء:
— لأ يا ماما… أنا مش زعلان منه، ولا كارهه… بس أنا مش أعرفه. هو اختار طريقه من زمان لما سابنا وصدّق الكذب. الراجل اللي يبذل عمره عشان يهد بيته ويسمع لكلام يضر ابنه… ما يقدرش يكون أب. يلا نروح.
كانت كلمات الصغير كالصاعقة التي هبطت على مسامع “أحمد”، رغم أنه لم يسمعها بذاته، إلا أنه قرأ معنى القرار في حركة جسد الصغير وهو يستدير ويعطيني ظهره، متقدمًا بخطوات ثابتة نحو السيارة.
انحنى “أحمد” على ركبتيه في زاوية الشارع، وواضعًا يديه على وجهه، ينشج ببكاء مكتوم، مرير، بكاء رجل أدرك في هذه اللحظة بالذات أنه خسر كل شيء: خسر ماله، خسر كرامته، خسر شبابه، والأهم من ذلك كله… خسر الابن والزوجة اللذين كانا يسعان أن يجعلا منه ملكًا، فقط لو أنه اتقى الله وصان الأمانة.
فتحتُ باب السيارة لـ “آدم”، ثم وقفتُ لثوانٍ قبل أن أركب. نظرتُ نحو الرجل الجالس على الرصيف، وقلت في سري بقلب صافٍ خالٍ من أي ضغينة: *”اللهم إني استودعتك حياتي وابني، وعفوتُ في قلبي عن الأذى، ولكن الحقوق لا تُشترى ولا تُوهب لمن استهان بها”*.
ركبتُ سيارتي، وأدرتُ المحرك. انطلقت السيارة بسلاسة في شوارع القاهرة المضاءة، وتركنا الخلفيات المعتمة والظلال المحطمة تبتعد شيئًا فشيئًا في المرآة العاكسة.
نظر إليّ “آدم” من المقعد المجاور، وابتسم بصفاء:
— ماما… بكره لما أكسب الذهبية في البطولة، ههديها لكِ أنتِ بس… لأنك عملتي كل حاجة عشان نكون هنا.
مسكتُ يده الدافئة، وابتسمتُ بملء الفم، ونظرتُ إلى الطريق المفتوح أمامي:
— وأنا يا آدم… هفضل طول عمري حمايتك وسندك… والبيت ده هيفضل مفتوح للحق، ومقفول في وش أي طفيلي إلى الأبد.


