حكايات بسمه 3 جوزي رجع

رفع الصغير الميدالية الذهبية التي وُضعت حول عنقه، ونظر في عيني مباشرة وقال بصوت نقي ونبرة واثقة:
— الميدالية دي عشانك أنتِ يا ماما… عشان أنتِ اللي حميتيني، وأنتِ اللي بنيتي بيتنا بصدقك.
انحنيتُ وقبلتُ رأسه، وأنا أنظر إلى أفق المستقبل المشرق الذي ينتظرنا:
— دي بدايتك يا آدم… وبدايتنا مع بعض. البيت اللي يتبنى على الحق والأمانة مبيتهزش أبدًا.
غادرنا النادي ونحن نمسك بأيدي بعضنا البعض، ونمشي بخطوات ثابتة نحو السيارة. كانت الشمس تغرب في الأفق لتعلن نهاية يوم حافل ونهاية عصر كامل من الآلام، بينما يتهيأ غدٌ جديد ليرسم صفحات حافلة بالنور والأمان والنصر الاستثنائي لامرأة رفضت أن تصبح ضحية، وصنعت من آلامها جسرًا نحو القمة.
وانطوت الصفحة الأخيرة دون أن تترك خلفها همسة ندم واحدة أو رجفة خوف؛ فقد تساقطت آخر أوهام الماضي كما تتساقط أوراق الخريف الميتة.
مرّ عامٌ كامل على اليوم الذي رُفعت فيه الميدالية الذهبية فوق منصة التتويج، عامٌ كان بمثابة المرآة النقية التي انعكست عليها ثمار الصبر والكرامة والعدل. لم تعد قصتي مجرد سيرة امرأة واجهت الخيانة وواجهت استنزاف أموالها بملف أسود، بل أصبحت شهادة حية على أن الحقوق لا تضيع ما دام خلفها عقلٌ يتدبر، وقلبٌ يقوى بالله، ويدٌ ترفض أن تستسلم للظلم تحت أي مسمى.
في صبيحة يوم مشرق من أيام الصيف، كانت الشمس تسكب أشعتها الذهبية على حديقة منزلنا الجديد، المنزل الذي اخترته بنفسي في أحد الأحياء الهادئة، حيث تتفتح الزهور ولا يطرق الباب إلا من يحمل الحب والخير الصادق.
كنتُ أقف أمام المرآة الكبيرة في غرفتي، أرتدي فستاني الأبيض الأنيق استعداداً لحضور حفل تكريمي في الملتقى السنوي لسيدات الأعمال المتميزات، حيث أُختيرت شركتي كواحدة من أفضل المؤسسات في الشفافية وإدارة الاستثمار. نظرتُ إلى انعكاسي، ورأيتُ امرأة جديدة بالكامل؛ امرأة تبسط الأمان على ملامحها، زال عنها الشحوب القديم، واختفت من عينيها نظرة الريبة والانكسار.
دخل “آدم” الغرفة، كان قد ناهز الثالثة عشرة من عمره. طوله الفارع، وكتفاه العريضان من أثر السباحة، وابتسامته الصافية كانت تجعلني أرى فيه أمل الغد ومكافأة العمر. كان يرتدي بدلة رسمية سوداء أنيقة، ويحمل في يده باقة صغيرة من الفل والياسمين.
