حكايات بسمه 3 جوزي رجع

خيم السكون على حديقة النادي، وساد صمتٌ أبلغُ من آلاف الخطب والمرافعات. كانت السيارة تبتعد بخطوات منتظمة في عرض الشارع، تبتعد عن الرجل المنحني على الرصيف، ذلك الرجل الذي ظن يومًا أن قوته في تسليم زمام أمره لأوهام البر الفاسد، فإذا به ينتهي وحيدًا، بلا بيت، ولا ولد، ولا ذكرة طيبة تشفع له في قلوب من ظلمهم.
مرت أسابيع قليلة على ذلك اللقاء العابر أمام النادي الأولمبي. لم يحاول “أحمد” الظهور مرة أخرى؛ فقد كانت كلمات ابن الصغير والنظرة الهادئة في عينيه كفيلة بإطفاء آخر جمرة أمل كاذبة في نفسه. علم أن الطريق الذي قطعه بملء إرادته لا رجعة فيه، وأن البيوت التي تُهدم بالغدر والتزوير لا تُبنى بالندم المتأخر.
في صباح يوم سبت مُشرق، استيقظتُ على صوت زقزقة العصافير في الشرفة. كان اليوم هو موعد الجلسة الختامية في المحكمة الاقتصادية للبت في أيلولة كافة الممتلكات والحسابات المحجوز عليها لصالحي، لغلق كافة الملفات المالية والقانونية المرتبطة بهذه الحقبة من حياتي بشكل نهائي ومطلق.
ارتديتُ ملابسي الرسمية وقصدتُ مبنى المحكمة برفقة الأستاذ “عماد”. لم تكن القاعة هذه المرة ساحة للصراخ أو الاتهامات؛ فقد حُسم كل شيء من قبل. كانت مجرد إجراءات تنظيمية لإصدار صيغة التنفيذ النهائية، وتحويل باقي التعويضات المالية إلى حساب استثماري باسم “آدم”.
جلسنا أمام رئيس المحكمة، وقدم الأستاذ عماد المذكرات الختامية، متضمنة كافة الفواتير، والإيصالات، وأحكام الجنايات السابقة التي أثبتت جُرم التزوير والنصب.
نظر القاضي في الأوراق، ثم ألقى نظرة تقدير وتوقير نحوي، وقال بنبرة قاطعة تتجاوب صداها في أرجاء القاعة:
— “حكمت المحكمة بتصفية كافة المستحقات والتعويضات المقررة لصالح المجني عليها (سارة)، وإغلاق جميع القضايا والتنفيذات المتعلقة بها نهائيًا، مع إبقاء القرارات الصادرة بالمنع من التعرض والحضانة المطلقة سارية المفعول دون زمن.”
قرع القاضي جرس المحكمة، وكانت تلك الضربات الثمانية على الخشب بمثابة الإعلان الرسمي والختامي لسقوط آخر فصل في هذه المأساة، واسترداد كافة الحقوق المادية والمعنوية التي حاربتُ من أجلها لسنوات.