حكايات بسمه 3 جوزي رجع

خرجتُ من قاعة المحكمة، ووقف الأستاذ عماد يبتسم بمودّة وهو يصافحني:

— مبروك يا مدام سارة… النهاردة أقدر أقولك إن الملف الأسود المقفول اللي دخلتي بيه مكتبي من ست سنين، أتحول لورق أبيض خالص. مفيش جنيه واحد لكِ ضاع، ومفيش حق مظلوم لم يُسترد.

ابتسمتُ بامتنان صادق:

— الأمانة والعمل الشريف هما اللي كسبوا الق\ضية يا أستاذ عماد. شكراً على كل مجهودك.

عدتُ إلى البيت، البيئة التي أصبحت مفعمة بالهدوء والجمال. دخلتُ غرفة المكتبة، وأخرجتُ ذلك “الملف الأسود” القديم الذي احتفظتُ فيه بكل إيصال وفاتورة وعقد زواج وق\ضية. جلستُ أمام الطاولة، وأمسكتُ به لثوانٍ معدودة. لم أعد أشعر بأي ألم أو مرارة؛ فقد تحول هذا الملف من رمز للقهر والغدر إلى رمز للصمود والانتصار.

أخذتُ الأوراق ورقة ورقة، ووضعتها في آلة تمزيق المستندات. كانت صوت الأوراق وهي تتحول إلى قصاصات صغيرة كالتراب صوتًا يعلن التحرر الشامل، وإغلاق الباب أمام أي ذكريات قديمة قد تراود الذهن في لحظات الهدوء.

في عصر ذلك اليوم، أقيمت المباراة النهائية لبطولة السباحة الإقليمية. كانت المدرجات تعج بأهالي الرياضيين والجمهور. جلستُ في الصف الأول، وبجانبي أختي التي شاركتني كل لحظة صعبة وكل لحظة فرح.

وقفت الفرق على منصات القفز. كان “آدم” يرتدي زيه الرياضي، ملامحه هادئة، وتركيزه ينصب بالكامل على خط النهاية. لم تكن في عينيه بقايا ذعر أو خوف، بل كانت طاقة بطل يعرف قدر نفسه ويعرف أن خلفه أمًا وقفت كالجبل في وجه العواصف.

انطلقت صافرة البداية!

قفز المتسابقون في الماء، وشق “آدم” الأمواج ببراعة ورشاقة متناهية. كانت الأذرع تضرب الماء بقوة، والأجسام تتسابق نحو خط الوصول. كانت كل ضربة ماء يضربها الصغير تبدو وكأنها خطوة جديدة يبتعد بها عن ماضٍ لم يكن له فيه ذنب.

علت الأصوات في المدرجات، ووقفتُ على قدمي أصفق وأشجع بصوت ملأ القاعة:

— يلا يا آدم! انطلق يا بطل!

وفي ثوانٍ معدودة، ضربت يد “آدم” جدار النهاية متقدمًا على جميع منافسيه بفارق حاسم!

دوت القاعة بالتصفيق، وأُعلن اسمه عبر مكبرات الصوت بطلاً للمحافظة في السباحة الحرة!

خرج “آدم” من الحمام، ووجهه يشرق بالبهجة والانتصار. ركض نحو المدرجات، وصعد السلالم بلهفة حارّة، وارتمى في أحضاني أمام جميع الحاضرين. ضممتُه بكل ما أوتيت من قوة، وكانت دموع الفرح تترقرق في عيني لأول مرة منذ سنوات طويلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *