حكايات اماني 3

.. وقالتلي أقولك جملة واحدة بس: “أنا سبتلك البيت الشديد اللي كنتِ خايفة عليه، وسبتلك ابنك يسافر يغور بعيد عنك… ربنا يمهل ولا يهمل يا أم هدى”».الكلمات نزلت على دماغي زي الصاعقة، الورقة وقعت من إيدي المرتعشة، وطارت على أرضية الشقة.

أختها بصتلي ببرود وقسوة، ودارت ضهرها ونزلت السلم بخطوات سريعة وثابتة، ومن غير ما تلتفت وراها ولا تبصلي بصلة واحدة. جريت على السور، ومديت نص جسمي وبقيت أصرخ بصوت مكتوم ومبحوح:ـ «يا بنتي استني! خديها وقوليلها سامحيني! قوليلها تسيبلي أي حاجة من ريحتها!

أرجوكم ما تمشوش وتسيبوني في النار دي!».بس صوت خطواتها على السلم كان بيتباعد، لحد ما باب العمارة البراني اتقفل برزعة قوية هزت الكيان كله. رجعت لورا بظهري لحد ما خبطت في الحيطة، ونزلت على الأرض وبقيت أزحف لحد ما مسكت الورقة.

فتحتها بإيدين بتهتز، شفت توقيعها… خطها اللي كنت بشوفه زمان لما كانت بتكتبلي طلبات البيت في ورقة عشان ما أنساش حاجة. التوقيع كان واضح وحاد، كأنه سكين مدفون في قلب الورقة. تنازلت عن كل حاجة، عن حقوقها، عن قايمتها، عن شقتها، وعن أي خيط كان ممكن يربطها بينا في يوم من الأيام.

في اللحظة دي عرفت إنها مش بس مشيت… دي مسحتنا تمامًا، كأننا ما كناش موجودين في حياتها أصلًا. مرت الأيام والأسابيع، وأنا بقيت مجرد خيال بيتحرك في الشقة. السكوت بقا خناق بيعصر رقبتي. الشقة فوق بقت فاضية ومقفولة بضبة ومفتاح، الشقة اللي كنت بشوفها زمان أمل ابني وعزته، بقت خرابة مهجورة.

بناتي بطلوا يجوا تقريبًا. الكبيرة كانت بتتصل كل كام يوم تتطمن عليا بدقيقة واحدة وتقفل، والصغيرة بقيت أسمع في صوتها نبرة جفاء وجحود، كأنهم بقوا يشوفوني شؤم، شايفين إن اللي حصل لبيت أخوهم بسببي، وخايفين يصيبهم جزء من دعوة المظلوم اللي خرجت من قلب موجوع.

كنت بقوم الصبح بدري، أقف في الصالة في نفس الوقت اللي كانت بتصحى فيه. أفتكر صوت خطواتها الخفيفة وهي رايحة للمطبخ، ريحة الفول والشاي اللي كانت بتعمله، صوت شريط الكاسيت الواطي اللي كانت بتشغله وهي بتنضف الشقة… كل حركة، كل همسة، كانت بتتعاد قدام عيني زي الشريط الملعون.

بقيت أدخل المطبخ، أمسك السكينة عشان أعمل السلطة، إيدي تهتز وأفتكر دموعها وهي نازلة على الخضار وأنا بقولها: «الأكل هيطلع وحش كده!». أحط الرز على النار وأفتكر صراخي فيها: «متكروتيش الأكل!». كل لقمة كنت بحطها في بؤي كانت بتحرقني، كأني باكل جمر من نار جهنم.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *