رواية وتعانقت الأرواح ج 2 بقلم الست ورد

“هم وانزاح الحمدلله. مكنتش عارف أقولك إيه تعالي، بس استني، هنوقف أوبر.”

وقف أوبر وركبا هما الاثنين، وجويرية متوترة قليلًا. أخبره “قصي” على العنوان وانطلق إلى وجهته.

نظر قصي لجويرية ورأى علامات التوتر عليها، فأردف وهو يزيل عنها التردد:
“يا ستي بقا، طنط منال صاحبة العمارة بعد ما خلفت وربت وكبرت وبقى عندها شخطين اتجوزوا، وباعوا العمارة علشان اتدينوا. وهي ياعيني من بيت ابنها ده لبيت ابنها ده، لغاية ما في الآخر مرات ابنها الكبير ودتها دار مسنين وعيالها ماخدوش أي رد فعل. وزي مايكونوا متفقين من بدري على الموضوع ده. ساعتها قالتلهم إنها غضبانة عليهم ليوم الدين وسابتهم ومشت. فضلت في الشارع متنقلة بتنام على الرصيف، بقت بتمد إيدها بعد ما كانت بتمد إيديها تاخد فلوسها من الناس، بقت بتشحت بسبب أولادها. شافت ولد بن حلال كان محوش مبلغ كبير كده علشان يتجوز، ويشاء ربنا إنه يفشكل مع خطيبته. وفي يوم شافها وقرر يساعدها بعد ما عرف حكايتها، وكتب نص العمارة باسمها. ولما صاحب العمارة مات بقت العمارة باسم طنط منال، وبقت هي بقى بتشيل اللي ماعندهمش بيوت في عينيها بعد ما جربت الشعور. والكل بيحبها.”

حزنت كثيرًا لها ودمعت عيونها عليها، كيف أبناؤها يفعلون بها هكذا؟
“طب والشاب ده إيه اللي حصله؟”

“ربنا كرمه من واسعه، والشركة اللي كان بيحلم بيها قبلت بيه، وبسبب كفاءته مرتبه زاد ووضعه زاد لغاية ما قرر يبني شركته الصغرى، وآهي بيحاول يكبرها.”

“ربنا يخليه لأهله وما يحرمه من أي حد. بجد ربنا يحميه لشبابه.”

أمَّن على دعائها. وقفت السيارة عند العمارة، نزلت منها جويرية وكادت أن تدفع، نظر قصي لها نظرة جعلتها تتراجع بعدما بلعت ريقها.

رفعت أنظارها ورأت العمارة، كانت ألوانها هادئة ويوجد بها حديقة صغيرة والكثير من الأدوار. أيقظها قصي من شرودها:
“يلا.”

عندما كان يدخل إلى العمارة سمع صوتًا وراءه يصرخ به بغضب:
“….”

وبسبب معيشتهم الفقيرة، التي أجبرتهم على السكن في حارة لا ترحم أحدًا من نساء أو رجال، كثرت الأحاديث حولها والافتراءات… حتى ظهر عمها في ذلك اليوم الذي دمّر حياتها إلى اللحظة التي هي فيها.
كان والدها دائمًا يشكو لها من أخيه المتعجرف، لذلك كانت تتجنبه طوال حياتها. أما والدتها فلم تستطع منعه، لأنها وحيدة، والناس لا يرحمون بالكلام. وفي ليلة جاء عمها ومعه عريس لها.
ـــ Flashback ـــ

بعد آخر امتحان لها في المرحلة الأولى بالجامعة، وبينما كانت عائدة إلى منزلها بعد أن ودّعت صديقاتها، تفاجأت بوجود عمها ومعه شاب في منتصف العشرينات، جالس في صالة البيت، ووالدتها تنظر إليها بحزن.
“تعالي سلّمي على عريسك يا جويرية.”
“عريسي؟”
قالتها بدهشة واستغراب.
“إيه يا عمي، أنت مش قايل قولت للعروسة وموافقة؟”
ضحك عمها باصطناع، ثم نظر إليها نظرة حادة جعلتها تبتلع ريقها بخوف.
“هي بس مكسوفة شوية، أنت عارف البنات… مش صح يا جوجو؟”
قال كلماته الأخيرة بحزم، جعلها تهز رأسها بخوف. اقترب منها وهو يحتضنها، وهمس في أذنها:
“أقسم بالله لو حسيت بأي حركة غدر، هقطم رقبتك. فاهمة؟ هتتجوزيه ورجلك فوق رقبتك، علشان ما أفضحكيش وأقول للناس إنك كل يوم مع شاب.”
اتسعت عيناها من وقع كلماته. كان شعور القهر يخنقها، فعمّها على استعداد أن يطعن في شرفها كذبًا.
أمسك بيدها وأجلسها أمام العريس، الذي ابتسم ابتسامة لم تُشعرها بالراحة.
“بُص يا بني، خير البر عاجله. السبت الخطوبة، والخميس كتب الكتاب. علشان كلام الناس، ما ينفعش تفضل رايح جاي كده.”
أرادت أن تعترض، لكنها فكرت: ماذا سيحدث إن تكلم عمها في شرفها؟ كيف ستُبرّئ نفسها أمام الناس؟ يا الله…
تمت الخطوبة، وفي نفس الأسبوع كان الزواج. ومنذ ذلك اليوم بدأت ترى ما لا يطاق. الشيء الوحيد الصحيح الذي فعله معها، أنه سمح لها بإكمال تعليمها، حتى أصبحت مترجمة.
ـــ Back ـــ
نامت مكانها، واستيقظت على صوت القطار. حملت حقائبها وتوجهت نحوه، جلست بجانب النافذة وأغمضت عينيها.
شعرت بيد توضع على كتفها وصوت يناديها:

“يا آنسة… يا آنسة.”
فتحت عينيها على صوته، كان محصل القطار. أخرجت النقود من جيب بلوزتها وأعطته ثمن التذكرة، ثم عادت تنظر إلى النافذة وغفت قليلًا.
بعد فترة طويلة، استيقظت لتجد شخصًا يجلس بجوارها، وكانت مسندة على كتفه. شعرت بإحراج شديد وقالت بخجل:
“أنا آسفة جدًا حضرتك.”
ابتسم لها برقة وقال:
“ولا يهمك يا آنسة.”
لم تصحح معلومته، ولن تصححها بعد اليوم. ابتسمت فقط، ثم عادت بنظرها إلى النافذة لترى العالم من خلالها.
“حاطين جُملة صيني في أم الكتاب ليه… مش عارف.”
هل يخاطب نفسه؟ ربما يخاطبها، فهذا أهون من أن يكون مجنونًا يحدث نفسه.
“أفندم؟”
ابتسم بحرج، وهرش لحيته المصُففة بعناية.
“كنت بكلم نفسي.”
“لو عايز تترجم حاجة أو أي مساعدة قولي.”
“مش عاوز أزعجك.”
“لأ خالص، أصل أنا قاعدة فاضية ما بعملش حاجة.”
مد يده إليها بالكتاب وأشار إلى جملة مكتوبة بالصينية. قرأتها وأخبرته بمعناها. وكلما صادف كلمة بالصينية، كانت تترجمها له.
“ما شاء الله عليكِ، طلعتي بروفيشنال في اللغة.”
ضحكت بخفة، وقالت بخجل:
“يعني طلعت بروفيشنال من ترجمتي لكام جملة بسيطين؟”

“دول بسيطين؟ مش بقولك بروفيشنال.”
“شكرًا لحضرتك.”
مد يده إليها بابتسامة:
“أنا قصي.”
صافحته بابتسامة وردّت:
“وأنا جويرية.”
“أنتِ مسافرة لحد؟”
هزت رأسها نافية:
“لا.”
“شُغل يعني؟”
هزت رأسها نافية:
“هربت.”
“جدعة والله، شابو علي… إيه؟!”
أردف كلماته الأخيرة بصدمة، ثم أكمل حديثه وهو يشعر بإحراجها:
“أنا آسف لو بدخل… بس لو عاوزة تفضفضي، فضفضي. كده كده مش هنتقابل تاني، والطريق طويل.”
معه حق، لن تراه ثانية. فلن يحدث شيء إن أخبرت شخصًا لا تعرفه. أخذت نفسًا، وحكت له ما حدث بالتفصيل، تحت وقع صدمته واستغرابه وإعجابه بقوتها.
“أنتِ قوية أوي يا جويرية، إنك استحملتي راجل زي ده وأم زي أمه… بجد شابو عليكِ.”
ابتسمت بابتسامة بسيطة، فأكمل:

“رنيتي على الشرطة؟”
أخذت نفسًا وقالت كأنها تذكرت للتو:
“تصدق… نسيت.”
كادت أن تُخرج هاتفها، لكنه أمسك يدها بحركة لا إرادية.
“هكلمهم أنا… قوليلي العنوان والشقة.”
أخبرته بالعنوان، فأخرج هاتفه واتصل بالشرطة:
“السلام عليكم…”

يتبع….
أخبرته بالعنوان، فأخرج هاتفه واتصل بالشرطة:
“السلام عليكم…”
أكمل حديثه بعدما أتاه الرد من الجهة الأخرى:
“أنا جار الأستاذ مازن، المَبارح بليل سمعت صوت عالي جاي من الشقة بتاعه، حبيت أطلع أشوف بس قولت أكيد مشاكل بينه وبين المدام، دلوقتي سمعت صوت فظيع في الشقة وزي ما تكون حد بيكسر في الشقة. أنا خايف ليكون أستاذ مازن عمل حاجة لمراته، أصل بيجي من بره بليل سكران، فخايف يعملها حاجة.”

قفل معاهم بعدما أخبرهم العنوان ورقم الشقة.
نظر إلى “جويريه” التي تنظر له بتفاجؤ:
“ممثل هايل بجد يا أخي، دنا صدقتك.”
ضحك “قصي” وغمز لها وهو يعدل لايقته الوهمية وأردف بغرور مصطنع:
“مواهبي كتيرة يا جوري.”
ضحكت بخفة على حديثه، فأخذت نفسًا قبل أن تتكلم:
“يا ترى مازن هيعمل إيه لما يشوف الشقة بالمنظر ده؟”
أكملت حديثها وهي تخرج هاتفها من حقيبتها:
“أيوه صح، لازم أرمي الخط بحيث ميعرفش يوصلي.”
أخرجت الخط ورمته خارج القطر، وأخذت نفسًا للمرة التي لا تعلم عددها براحة.
—
في مكان آخر، لم يستطع “مازن” أن ينام. فعندما خرج من غرفته الخاصة عند والدته كاد أن يطلع لشقته، ولكن استوقفته والدته:
“أنت رايح فين يا مازن؟”
مسح مازن على شعره وأردف:
“طالع شقتي عند مراتي يا أمي.”
أردفت بعصبية وبصوت منخفض:
“مراتك اللي جوه نايمة هنا، أما الحربوئه أم صورم اللي فوق دي، أنت هتطلقها، مش كفاية طردتنا من الشقة المَبارح؟”
“هطلع أشوفها بردو، وبعدين اللي عملته قليل. وحدة تانية كانت كسرت البيت وعملت مصيبة ولبستها فيا وبلغت الشرطة، بس جويرية أصيلة ومتربية وهَراضيها بكلمتين.”

فتح باب المنزل وصعد إلى شقته التي في الطابق الثاني. فتح الباب وصُعق من المنظر اللي أمامه، الشقة كانت عبارة عن… لحظة، هل هذه شقته أصلًا؟ لقد حصل فيها إعصار أم ماذا؟ كيف هي كذلك!
رأى ضباط الشرطة يصعدون على السلالم، ظن أنهم يأتون لأحد الشقق اللي في العمارة، ولكن صُعق للمرة الثانية عندما لاحظ وقوف الشرطيين على باب منزله وينظرون إلى الرقم الموضوع على الشقة:
“دي شقة مازن الدمهوري.”
سأله الشرطي بنبرة ثابتة جعلته يبلع ريقه بتوتر:
“أيوه أنا يا حضرة الشرطي، في حاجة ولا إيه؟”
“مطلوب القبض عليك بتهمة التعد.ي على زوجتك، وتفتيش الشقة.”
نظر الشرطي ناحية الشقة وصُعق من المنظر:
“إذن البلاغ صحيح.”
وجه أنظاره للشرطيين الموجودين معه:
“فتشوا الشقة.”
“مين اللي قدم البلاغ يا حضرة الظابط؟ وأنا متعد.تش على مراتي أنا…”
قاطعه الشرطي بصرامة:
“هتحكيلي قصة حياتك؟”
أكمل حديثه وهو ينظر للشرطي اللي معاه:
“اقبض عليه.”
قبض عليه الضابط، وعند نزولهم كانت والدته تصعد إليه، لكنها صرخت وهي تطلم على وجهها:
“ابني مازن!”

أكملت حديثها وهي تسأل شرطي من جهتها اليمنى:
“في إيه يا حضرة الظابط؟ ماسكين ابني ليه؟”
“مطلوب القبض عليه بتهمة التعد.ي على زوجته،ومخدر.ات في شقته. هنشوف ده في القسم يا حجة، بعد إذنك.”
“متخافيش ياما، ورني على المحامي بتاع العيلة.”
_
“وأنت قولي بقي مسافر شغل ولا لعيلتك”
ابتسم واردف بنبره لم تفهمها
“لا شغل”
“وعلي كدا كنت عند اهلك”
“لا بردو شغل”
“مافيش اهل في النص”
ضحك بخفة على تعابير وجهها:
“لا يا ستي، حكاية طويلة.”
“احكيها يمكن ترتاح شوية.”
أخذ نفس عميق وأردف:
“أبويا طردني من البيت من خمس سنين لما رفضت أتجوز بنت عمي اللي قالت إني اتحرّشت بيها، وأنا ماعملتش كده. جت واعترفت بحبها ليا، وأنا قولتلها إنتي زي أختي، بس فضلت صوت وتقول إني حاولت أتحرش بيها.”
كانت تنظر له بحزن… دائمًا الحياة هكذا ضدهم في كل شيء.
“وصلنا محطة الإسكندرية.”

نزلت من المترو بعدما حملت حقائبها، وهو كذلك. وقفت أمام المترو وهو أمامها، ابتسمت له ابتسامتها الرقيقة:
“اتشرفت بمعرفتك يا قصي.”
“وأنا أكتر يا جويرية. أتمنى نتقابل في وقت تكوني خلصتي من جوزك.”
“وأنت تكون في أفضل مكانة، بعد إذنك.”
تركته وذهبت وهي تقرر أن تبدأ حياة جديدة.
وقفت عندما استمعت إلى صوته:
“جويرية!”
نظرت خلفها فرأته يأتي نحوها بسرعة وحقيبته على كتفه. نظرت له باستغراب وتساؤل:
“عارفة مكان هتسكني فيه؟”
حكت رقبتها بإحراج وأردفت:
“لا، هدور. أنا أول مرة أجي هنا أصلًا إسكندرية.”
هز رأسه متفهمًا وأردف:
“العمارة اللي ساكن فيها، فيها شقق. صاحبة العمارة ست طيبة أوي، لو قولتلها عن حالتك المادية ممكن متاخدش منك فلوس لغاية ما تشتغلي.”
“مش حكاية فلوس.”
قاطعها بلطف وأردف بخفة:
“هتدوري فين في الولعة دي؟ واقف مكملتش دقيقتين وبقيت عامل زي الآيس كريم وهو بيسيح. يلا يا جويرية، ويا ستي لو الشقة معجبتكيش ابقي دوري براحتك.”
دار الحديث في رأسها، هي بالفعل لا تعلم عن البلد شيئًا. نظرت له وقررت أن تذهب معه. هزت رأسها بموافقة فاتسعت ابتسامته:
“هم وانزاح الحمدلله. مكنتش عارف أقولك إيه تعالي، بس استني، هنوقف أوبر.”

وقف أوبر وركبا هما الاثنين، وجويرية متوترة قليلًا. أخبره “قصي” على العنوان وانطلق إلى وجهته.
نظر قصي لجويرية ورأى علامات التوتر عليها، فأردف وهو يزيل عنها التردد:
“يا ستي بقا، طنط منال صاحبة العمارة بعد ما خلفت وربت وكبرت وبقى عندها شخطين اتجوزوا، وباعوا العمارة علشان اتدينوا. وهي ياعيني من بيت ابنها ده لبيت ابنها ده، لغاية ما في الآخر مرات ابنها الكبير ودتها دار مسنين وعيالها ماخدوش أي رد فعل. وزي مايكونوا متفقين من بدري على الموضوع ده. ساعتها قالتلهم إنها غضبانة عليهم ليوم الدين وسابتهم ومشت. فضلت في الشارع متنقلة بتنام على الرصيف، بقت بتمد إيدها بعد ما كانت بتمد إيديها تاخد فلوسها من الناس، بقت بتشحت بسبب أولادها. شافت ولد بن حلال كان محوش مبلغ كبير كده علشان يتجوز، ويشاء ربنا إنه يفشكل مع خطيبته. وفي يوم شافها وقرر يساعدها بعد ما عرف حكايتها، وكتب نص العمارة باسمها. ولما صاحب العمارة مات بقت العمارة باسم طنط منال، وبقت هي بقى بتشيل اللي ماعندهمش بيوت في عينيها بعد ما جربت الشعور. والكل بيحبها.”
حزنت كثيرًا لها ودمعت عيونها عليها، كيف أبناؤها يفعلون بها هكذا؟
“طب والشاب ده إيه اللي حصله؟”
“ربنا كرمه من واسعه، والشركة اللي كان بيحلم بيها قبلت بيه، وبسبب كفاءته مرتبه زاد ووضعه زاد لغاية ما قرر يبني شركته الصغرى، وآهي بيحاول يكبرها.”
“ربنا يخليه لأهله وما يحرمه من أي حد. بجد ربنا يحميه لشبابه.”
أمَّن على دعائها. وقفت السيارة عند العمارة، نزلت منها جويرية وكادت أن تدفع، نظر قصي لها نظرة جعلتها تتراجع بعدما بلعت ريقها.
رفعت أنظارها ورأت العمارة، كانت ألوانها هادئة ويوجد بها حديقة صغيرة والكثير من الأدوار. أيقظها قصي من شرودها:
“يلا.”
عندما كان يدخل إلى العمارة سمع صوتًا وراءه يصرخ به بغضب:
“….”

يتبع….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *