و احنا في المصيف اسلام احمد حصري

في الأيام الأولى، كانت التلميحات خفيفة.. ريحة بخور تقيلة تظهر وفجأة تختفي، أو تحس إن الشقة أبرد بكثير من الجو برة رغم إننا في حر الصيف. بس كنا بنعدي كل ده ونقول “لسه الشقة مقفولة وبنتعود عليها”.

لحد اليوم اللي قبل السفر بلحظات..

كنا بنقفل الشنط وجوزي بيراجع على شبابيك المنور والكهرباء. وقفت قدام مراية الصالة أظبط الطرحة، وفجأة شفت في انعكاس المراية رجلين حد واقف ورايا تماماً، رجلين حافية ولونها أسود زي الفحم المطفى. اتسمرت في مكاني والدم اتجمد في عروقي، بس لما لفيت بسرعة.. ملقيتش أي حاجة!

جوزي شاف وشي أصفرّ، جه جري وسألني مالك؟ فضلت ساكتة وخفت أقوله يقول عليا بخرف من تعب التوضيب. قلتله: “مفيش.. يلا بينا نسافر بسرعة عشان نلحق الطريق.”

قفلنا الباب بالضبة والمفتاح ومشينا، وإحنا فاكرين إننا بنهرب للراحة والبحر، وما كناش نعرف إن الشقة كانت بتتفرج علينا وإحنا ماشيين، ومستنية لحظة رجوعنا عشان تفهمنا سر نظرات الشفقة اللي كانت في عيون الجيران.

الأيام اللي سبقت السفر كانت عبارة عن لعب أعصاب بالبطيء، بس كنا بنكابر ونقول “إرهاق توضيب”.

بعد موضوع الرجلين السودة اللي شفتها في المراية بيومين، بدأت الأصوات تتسلل لبيتِنا في أوقات غريبة. كنت أكون قاعدة في المطبخ بنضف الخضار، وأسمع صوت تهتيه وبكاء مكتوم جاي من بانيو الحمام.. صوت طفل صغير بيعيط بقهره، أول ما أجرِي وأفتح باب الحمام.. الصوت يقطع في ثانية، والبانيو ألاقيه ناشف ومفيش فيه نقطة مية!

أما بالليل بقى، فكانت حكاية تانية خالص..

أول ما نطفي النور وندخل السرير، تبدأ الشقة تعيش حياتها. نسمع صوت كعب جزمة ثقيل وبطيء بيمشي في الصالة من أول الباب لحد باب أوضتنا.. يفضل ماشي بانتظام: “تك..

لمحة نيوز
تك.. تك..” ويروح واقف برة الأوضة تماماً! نقعد أنا وجوزي حابسين أنفاسنا تحت البطانية والعرَق مغرقنا، مستنيين الباب يتفتح.. بس الصوت يختفي، وبعدها بثواني نطلع نلاقي الصالة فاضية ومفيش فيها روح.

جوزي حاول يعمل فيها شجاع وقاللي: “دي أوهام عشان المكان جديد ولسه مش متعودين عليه، بكره لما نسافر المصيف نفصل ونرجع نلاقي كل ده اختفى.”

بس القشة اللي قطمت ظهر البعير كانت اللي حصل في الليلة اللي قبل السفر مباشرة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *