و احنا في المصيف اسلام احمد حصري

كنا بنحط آخر شنطة على الترابيزة في الصالة، وفجأة النور قطع. الشقة بقت كحل، وجوزي ولّع كشاف الموبايل عشان يدور على الشواحن. وفي لحظة ما النور بتاع الكشاف جه على الحيطة.. سمعنا صوت خربشة حادة وطويلة جداً، كأن في ضوافر حديد بتتسحب على المحارة ورانا!

جوزي وجه الكشاف ناحية الصوت.. ولقينا حروف بتترسم على الحيطة بالدم أو بحاجة سودة ومزيتة، وكانت بتتكتب قدام عينينا من غير ما نشوف الإيد اللي بتكتبها! الحروف اتجمعت ورصت جملة واحدة بس:

“السفر مش هيهربكم مني..”

في اللحظة دي، جوزي شد الشنط من غير ما ينطق حرف، وخدني من إيدي وجرينا على العربية.. كنا بنهرب وفاكرين إننا بنسيب الخوف وانا، وما كناش فاهمين إن الجملة دي كانت وعد، وإن اللي في الشقة مش مستنينا نرجع عشان يراقبنا.. ده كان بيحضر نفسه عشان يستقبلنا الاستقبال الأخير.

بعد الليلة المُرعبة دي، الصبح طلع علينا وإحنا شبه مجانين. الأطباق والكتب وقعت على الأرض لاتفتفت أول ما النور طلع، وكأن المكان بيرجع طبيعي مع أول خيط شمس!

أنا كنت بنهال وبلم هدومي في الشنط وعايزة أهرب بأي طريقة، بس جوزي كان عنده رأي تاني.. الخوف اتحول عنده لغل وتصميم. وقف وسط الصالة المكركبة وقال بصوت محروق: “أنا شقي عمرِي كله حطيته في الشقة دي.. مش هسيبها للشيء ده وأطلع بالشارع! لازم نعرف في إيه ومين اللي هنا!”

خرج من البيت ويرجع ومعه شيخ من المنطقة، راجل كبير ذو هيبة ودقن بيضا. الشيخ أول ما حط رجله على عتبة الشقة، وقف مكانه وشه اتغير تماماً. ما كملش خطوات لجوة، ورفع إيده ومسك صدره كأنه مش قادر يتنفس!

بدأ يقرأ قرآن بصوت عالي، ومع أول آية.. أجهزة البيت كلها اشتغلت لوحدها! التلفزيون اتفتح على صوت وشوشة عالية، والمراوح لفت بأقصى سرعة، وأبواب الشبابيك بدأت تضرب في الحوائط بعنف كأن في عاصفة جوة الصالة. الشيخ كمل قراءة وهو بيعرّق بغزارة، وفجأة صوته قطع ووقع على ركبه، ونطق بنبرة مسكونة بالرعب وهو بيبص لجوزي: “اخرج يا ابني.. اخرجوا فوراً! اللي هنا مش عمار عاديين.. دي شقة معمول فيها عمل أسود ومردوم تحت أرضيتها من سنين، واللي حارس المكان مش هيسيب حد يعيش هنا سليم!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *