بعد فرحي بساعات ٢

في مساء اليوم التالي، كان صالون الحاج توفيق ممتلئاً عن آخره كبار العائلات بالمنطقة، والحاج متولي، والأستاذ طارق المحامي.

خرج أحمد من القسم بعد تنازل مؤقت، لكنه جاء يجر أذيال الخيبة والندم. وشه مسحوب، وعيونه متورمة من الذل، ومعه سعاد التي فقدت كل نبرة استعلاء.

قام أحمد ووقف وسط الصالون، وبص للأرض قدام الحاج توفيق ومصطفى ومريم اللي كانت قاعدة كالملكة في بيتها:

— أنا بطلب العفو والمغفرة من الحاج توفيق ومن مريم.. أنا غلطت في حقكم، وحقك عليّ يا مريم قدام الناس كلها.. أنا ما صنتش الأمانة، وتعديت على بيتك وحرمتك، وأمي أخطأت وأنا مشيت وراها في الباطل.. سامحوني.

سعاد قربت وهي شايلة بنفسها أول كرتونة ملايات وأجهزة رجعت من تحت، وحطتها قدام مريم وهي موطية رأسها:

— حقك عليا يا مريم يا بنتي.. الطمع عمانا والمنطق غاب عننا.. سامحينا على ليلة الفجرية.

رد الحاج توفيق بنبرة حازمة أذهلت الحاضرين:

— المسامحة عند ربنا يا سعاد.. إحنا أخدنا حقنا بالقانون والرجولة، والبيت ده مالوش عندكم غير كل خير من النهاردة.. بس بابنا مقفول في وش الخيانة للأبد.

جلس أحمد والمأذون على الطاولة، وفي دقائق معدودة، رن صوت المأذون ينهي هذه المأساة:

> “بارَكَ اللَّهُ لَكُما وعَلَيْكُما… وتم الطلاق بين أحمد ومريم بناءً على رغبة الطرفين وعلى الشريعة والإحسان.”

>

وقع أحمد على الورق وأصابعه تترعش، ونظر لمريم نظرة حسرة وألم على النعمة والبيت والزوجة العفيفة اللي ضيعهم من إيده عشان يرضي طمع أمه ونرجسيتها.

فجر جديد واستراد الروح

خرج أحمد وسعاد ينقلون باقي الأكياس والكراتين تحت أنظار الجيران اللي كانوا واقفين في البلكونات يتهامسون على عاقبة الطمع والغدر.

أُغلق الباب المصفح للمرة الأخيرة… ولكن هذه المرة، لم يكن هناك خوف، ولا ترقب، ولا غل.

جلست مريم في الصالة، وبجوارها والدها الذي حَضَنها بحنان الأب السند، وأمها وأختها نهى اللي كانوا بيبكوا من دموع الفرح والاسترداد.

مسكت مريم المفاتيح الثلاثة الجديدة ولمست القفل المصفح…

أحست بالنفس يرجع لرئتيها كاملة لأول مرة منذ صباحية الشوم.

علمت أن التجربة كانت قاسية، وأن الجرح في البداية كان عميقاً، ولكنها خرجت منها أكثر قوة، وأشد صلابة، وبدرس لم ولن تنساه طوال حياتها: أن الكرامة وحرمة البيت خط أحمر لا يمكن التنازل عنه لأي شخص، وأن الحق مهما حاول الباطل خنقه في الظلام.. يخرج في النور ليقطع دابر الظالمين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *