حكايات اماني السيد 3

مرت الأيام والسنوات بهدوء وسلام لم أعشه من قبل. عشر سنوات من السجن المشدد كانت كفيلة بأن تضع نقطة النهاية الأبدية لخيط الإجرام والغدر الذي حاول أن يلتف حول عنقي وعنق طفلي. أغلقت المحاكم أبوابها في وجوههم، وطُويت صفحات المحاضر والبلاغات، ليحل محلها صمت العدالة وثبات الحق.
ابني الصغير كبر أمام عيني، أراه كل يوم وهو ينمو في بيته المستقر، بين يدين أم لم تستسلم ولم ترضَ بالهوان. أصبح شاباً يافعاً، يدرس في الجامعة، يرفع رأسه بفخر وهو يراني أتدرب وأعمل وأدير مؤسستي التجارية التي توسعت لتصبح سلسلة محلات معروفة في المحافظة كلها. البيوت التي أرادوا هدمها وتشريد أهلها، أصبحت بفضل الله وبفضل الصلابة بؤرة للنجاح والستر، والدهب الذي طمعت فيه سماح وأرادت أن تجردني منه، استبدلته بستارة من الكرامة والعزة التي لا تُشترى بمال.
في يوم من أيام الشتاء الدافئة، وأنا أقف في فرعي الرئيسي أتابع حركة العمل والزبائن، دخلت امرأة مسنة تحث الخطى نحو الداخل. كانت تتكئ على عصا خشبية، وعلى وجهها تجاعيد الزمن وكسرة لا تخطئها العين. بمجرد أن اقتربت مني ورفعت عينيها، عرفتها.. كانت أم سماح.
لكن هذه المرة لم تكن آتية للتهديد ولا للمناورة، كانت تبدو كشبح يتأرجح بين الحياة والموت. وقفت أمامي والدموع تملأ عينيها المجهدتين، وقالت بصوت متهدج يرتجف: “يا هانم.. أنا مش جاية أطلب تنازل ولا أفتح أبواب مقفولة.. أنا جاية أستسمحك في كلمة واحدة قبل ما أقابل ربنا. سماح ابنتي في السجن حالتها بالبلا، صحتها راحت ورجلها العرجاء بقت مش شايلاها، وزوجك السابق بيخدم في عنابر السجن مكسور ومحني الظهر، محدش بيفتكره ولا بيبص في وشه.. الكل اتبروا منهم، والتمن اللي دفعوه من أعمارهم كان غالي أوي.”
بصيت لها بهدوء تام، لم يكن في قلبي في تلك اللحظة أي ذرة غل أو تشفي، بل كان فيه حمد واطمئنان كبير. قولت لها بنبرة هادئة ورزينة: “يا خالة.. أنا ما ظلمتش حد، ولا اعتديت على بيت حد. أنا دافعت عن بيتي، وعن دهبي، وعن شرفي وكرامة ابني. أديت كل واحد فيهم فرصة وأتين وتلاتة، بس هما اختاروا طريق الإجرام والغل.. وحق ربنا والقانون جه لحد عندي.”


