حكايات اسما السيد 3

مرت أيام، وحماتي اختفت تماماً. لا اتصالات، ولا خبط على الباب، ولا حتى الملاغاة القديمة مع الولاد وهم نازلين السلم. الهدوء ده ما كانش يطمن؛ ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
وفي يوم الثلاثاء، والساعة كانت تقريبًا ٥ المغرب، سمعنا خبط هادي جداً على الباب. إيهاب قام فتح، ولقينا ورا الباب “حاج توفيق” عم إيهاب، ومعاه راجل كبير في السن ولابش جلباب وبيمسك في إيده ملف أوراق تقيل.
إيهاب رحّب بعمه ودخلهم الصالون، وأنا خرجت ورحبت بالحاج توفيق وقدمت لهم الشاي بكل احترام.
حاج توفيق حط كوباية الشاي، وبص لإيهاب وبعدين بصلي وقال بنبرة جادة جداً:
— يا إيهاب.. يا منار.. أنا جاي النهارده مش عشان أتدخل في مشاكل أكل وشرب ومصايف، أنا جاي في موضوع يخص البيت ده.. ويخص حقوقكم.
إيهاب استغرب وقال:
— خير يا عمي؟ موضوع إيه؟
حاج توفيق شاور على الراجل اللي معاه وقال:
— ده الأستاذ عبد العظيم المحامي.. أمك يا إيهاب راحت له امبارح، وكانت عايزة ترفع دعوى طرد ضدك وضد مراتك من الشقة دي!
إيهاب اتنفض من مكانه ووشه أصفر:
— دعوى طرد؟! طرد إزاي يا عمي؟! دي الشقة دي شقتي، وأنا اللي دافع مقدمها ومقسط باقي فلوسها من شغلي طول الـ ٨ سنين اللي فاتوا!
الأستاذ عبد العظيم المحامي أخرج ورقة من الملف وحطها على الترابيزة وقال بكل هدوء:
— يا أستاذ إيهاب.. والدتك راحت الشهر العقاري من ٥ سنين، وحضرتك كنت كاتب العقد الابتدائي باسمها بناءً على طلبها وقتها عشان “البر” وعشان تكون هي الضامنة لك في البنك، والنهارده هي جاية بتقول إن الشقة ملكها الخالص، وإنكم مقيمين معاها على سبيل الإضافة، وعايزة تمشيكم وتسترد الشقة!
الصدمة كانت زي القلم على وش إيهاب. حط إيده على وشه وقال بصوت مخنوق:
— كاتب العقد باسمها عشان كانت بتقولي خايف عليك، وعشان أثبت لها إني بار بيها! تعمل فيا كده؟! تطردني أنا وعيالي في الشارع عشان رفضت أهين مراتي؟!
كنت واقفة ببتسم.. ابتسامة هادية وواثقة جداً.
قربت من الترابيزة، وقعدت جنب إيهاب، وطبطبت على كتفه، وبعدين بصيت للحاج توفيق وللمحامي وقولت:
— يا حاج توفيق.. طنط فاكرة إنها ماسكانا من رقبتنا بالعقد ده، وفاكرة إن السكوت اللي سكتُه السنين اللي فاتت كان ضعف.. بس هي نسيت حاجة مهمة أوي.



