حكايات اسما السيد 2

رجعت إلى أطفالي في منطقة الألعاب، جلست على الكرسي وأنا أشعر بحجم الثقل الذي أزيح عن صدري. لأول مرة منذ سنوات، شعرت أنني أملك زمام أمري، وأن استقلالي المادي وصبري لم يذهبا سدى.

بعد حوالي ساعة، عاد إيهاب إلى السويت. كان وجهه شاحبًا وعيناه حمراوين، يبدو أن حديثه مع عمه كان قاسيًا ويلامس النخوة والرجولة التي فرط فيها طوال الفترة الماضية.

دخل الأوضة ووجدني أعد حقائب الأطفال لننزلو إلى الشاطئ مرة أخرى. وقف عند الباب وقال بنبرة هادئة ومختلفة تمامًا عن كل المرات السابقة:

— منار.. عمي توفيق فتح عيني على حاجات كتير أنا مكنتش شايفها، أو مكنتش عايز أشوفها عشان أشتري دماغي.

التفتت إليه دون أن أتكلم، فواصل كلامه:

— أنا آسف.. آسف إني سبت أمي تتدخل بيننا لحد ما وصلنا لمرحلة إنها تكتب لك ورقة أوامر. وآسف إني حسستك إنك مالكيش قيمة لمجرد إنك قاعدة في البيت بتربي عيالنا. عمي فهماني إن شغلك أونلاين وتعبك مع العيال هو اللي شايل البيت فعليًا، وإن الاستقلالية دي حقك.

قلت له بنبرة جادة:

— الأسف مش كفاية يا إيهاب.. المهم اللي جاي. المصيف ده هيخلص، وهنرجع القاهرة. لو فاكر إننا هنرجع لنفس السيستم القديم، تبقى غلطان. حماتك مش هتدخل في شؤون بيتنا تاني، ولا هتتحكم في طريقة أكلنا وشربنا وتربية عيالنا. وبيتنا هيبقى له خصوصية كاملة.

هز رأسه بموافقة وقال:

— أوعدك يا منار.. كل حاجة بتتغير من النهاردة.

مرت بقية أيام الإجازة في هدوء حذر. حماتي التزمت بحدودها بالكامل، كانت تقضي وقتها بعيدًا عنا، ولم تتجرأ على إبداء أي ملاحظة أو إصدار أي أمر. أما أنا، فقد استمتعت بالبحر والشمس مع أطفالي كما حلمت تمامًا، وشاهدت فرحة عيونهم بالماء لأول مرة.

وفي يوم المغادرة، وأثناء تحميل الحقائب في السيارة للعودة إلى القاهرة، اقتربت مني حماتي ونظرت إليّ بنظرة غامضة وقالت بصوت خافت لم يسمعه غيري:

— فاكرة إنك كسبتي يا منار؟ الحرب دي ما انتهتش بكلمة اعتذار في فندق.. لما نرجع القاهرة والباب يتقفل علينا، هتعرفي إن البيت ده بيتي أنا، واللي حصل هنا مش هيفوت بالساهل.

ابتسمت لها ببرود وأنا أغلق باب السيارة بثقة:

— ونحن في انتظار القاهرة يا طنط.. بس افتكري كويس، اللي قدرت أعمله في المصيف، أقدر أعمل أكتر منه في القاهرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *