حكايات اسما السيد 3

طول الطريق من المصيف للقاهرة، كان الصمت تقيل ومخيم على العربية. إيهاب مركز في الطريق وعينيه على الإسفلت، وحماتي قاعدة في الكرسي اللي جنبي ورا، باصة من الشباك ووشها مشدود، وكل شوية تطلع تنهيدة عالية عشان تسمعنا كلنا إنها “مظلومة ومكسورة الخاطر”.
أنا ما اهتميتش بكل التمثيلية دي، كنت حاضنة ولادي ومغمضة عيني ببتسم. لأول مرة من سنين أحس إن ضهري مش مكشوف، وإن الخوف اللي كان مكلبش في قلبي اتفك.
أول ما وصلنا عمارتنا في القاهرة، ونزلنا الشنط، حماتي نزلت بسرعة وسبقتنا على فوق. إيهاب كان بيشيل الشنط التقيلة وبيصلح نظارته، وبصلي بنظرة رجاء وهو بيوشوشني:
— منار.. ربنا يخليكي، إحنا فتحنا صفحة جديدة، بلاش بقى المشاحنات تنقل معانا الشقة. أمي راجعة ونفسيتها تعبانة من اللي حصل، فعدي اليومين دول على خير.
بصيت له بكل حسم وقولت له:
— إيهاب.. الصفحة الجديدة مش معناها إن أحسن نيتي وأرجع أغمض عيني. الصفح الجديد معناه إن كل واحد يعرف حدوده. أنا داخلة بيتي ومحدش ليه يدير بيتي غيري.
طلعت الشقة، وفتحت الباب. أول ما دخلت، لقيت حماتي قاعدة في الصالة ومربعة إيديها، وحاطة مفاتيح شقتها جنبها، وباصة للمكان كأنها بتتفقد ممتلكاتها.
أول بند في خطتها الجديدة ظهر بعد ساعة واحدة بس من وصولنا.
كنت في المطبخ بجهز غدا سريع للأطفال بعد مشوار السفر، فجأة لقيتها دخلت عليا المطبخ، ووقفت ورايا، وبصت في الحلة بنظرة استحقار وقالت:
— إيه ده إن شاء الله؟ أنتِ بتعملي أكل ناشف ومكرونة مسلوقة للراجل بعد مشوار سفر طوله ٤ ساعات؟! هو ده اللي تعلمتيه؟ ابن أختي يرجع من السفر يلقى لقمة رمق وتغذي جسمه، مش العك ده!
لتاني مرة في نفس اليوم، بصيت لها بثبات، وحطيت المعلقة الخشب من إيدي بالراحة، والتفتت لها:
— الأكل ده لعيالي وليا يا طنط.. وإيهاب لو عايز أكل معين يقدر يدخل يقولي بنفسه أو يعمله. وحضرتك مفروض تكوني في شقتك ترتاحي من السفر بدل ما تقفي على دماغي في المطبخ من أول ساعة.
حماتي ضحكت بتهكم وقالت:
— شقتي؟! ما هي الشقة دي شقة ابني، وأنا أدخل المطبخ وقت ما يعجبني وأقول رأيي وقت ما يعجبني! فاكرة إنك لما لويتي دراعنا في الفندق بقيتي صاحبة البيت؟ لا يا حلوة، هنا القاهرة.. وهنا كلمتي هي اللي تمشي.


