سـم حمـاتي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

ورا جوزي، ولا بنزل أقف تحت باب الشقق أتصنت على سلايفي وأعايرهم بلقمة عيالهم! أنا ست بصون بيتي، ولما بعمل لعيالي مكرونة وبيض بيبقى برضاهم وشبعهم، مش زيك بتجيبي أكل تيك أوي بالدين عشان المنظرة الكدابة وتخلي جوزك يستلف من طوب الأرض!
حماتي رفعت صوتها وبدأت تزعق عشان تلم الناس إنتي اتهبلتي يا بت إنتي؟! بتعلي صوتك في بيتي وقدام سلفتك؟! أنتي فاكرة نفسك مين يا جربوعة، ده أنا اللي ساكتة عليكي بقالي ست شهور وبقول معلش فقرية وعايشة في خيري وخير ابني، جاية دلوقتي تبطري وتتفلسفي علينا؟! والله لأنده لطارق يرمي عليكي يمين الطلاق في وسطيكم هنا ويطردك برة العمارة دي بشنطة هدومك!
وفعلاً، حماتي طلعت للصالة وهي بتصرخ وتولول بصوتها اللي بيسمع الشارع تعالى يا طارق! تعالى شوف مراتك الهانم، بنت الشوارع اللي دخلتها بيتي بتعمل إيه! تعالى شوف قلة أدبها وطولة لسانها على أمك عشان بنقولها اعملي شوية ملوخية للضيوف!
الصالة اتقلبت.. عم طارق وأولاده خرجوا من المندرة مذهولين، وجوز نجوى وقف مبرق، وطارق دخل يجري وشه مخطوف من الخضة. الكل اتجمع في الصالة الكبيرة، العيون كلها كانت عليا، نظرات استنكار من الرجالة الكبار، ونظرة غضب مشتعلة في عيون طارق اللي افتكر إني هديت المعبد فوق دماغه وخالفت اتفاقنا.
طارق زعق بصوت هز الحيطان في إيه يا أسماء؟! إيه اللي بيحصل هنا؟! إنتي اتجننتي تعلي صوتك على أمي والرجالة قاعدة؟!
حماتي مسكت في جلابية طارق ومثلت إنها هتقع من طولها، وبدأت تعيط بنحيب مصطنع الحقني يا ابني.. مراتك جاية تعايرني في بيتي، بتقولي إنتي وسلفتك جعانين ومش لاقيين تاكلوا، وبتقول على الفرختين اللي جايبينهم للرجالة جيف ومياكلوش كلاب! وبتقول إنها هتطردني من شقتي، وهتذلنا بفلوسها وخيرها! البت دي فاجرة يا طارق، ومتقعدش على ذمتك دقيقة واحدة، يا أنا يا هي في البيت ده النهاردة!
نجوى وقفت جنبها بتسخن النار أيوا يا طارق، شتمت حماتي وقالت لها إنتي ست مسمومة وبتتفرجي على لقمتنا، وده كله عشان حماتي طلبت منها تساعد في تجهيز الغدا لعمك!
الصمت نزل على الصالة زي الكفن. عم طارق، الحاج عبد الرحيم، راجل صعيدي كبير بعمامة وهيبة، خبط بعصايته الأبنوس في الأرض خبطة رنت في البيت كله، وبص لطارق بصوت جهير إيه اللي بنسمعه ده يا ولدي؟ حريم بتعلي صوتها في حضرة الرجالة؟ والكلام المايص ده عيب يتقال في بيت أخوي الله يرحمه! لو مرتك مش متربية، رجعها لبيت أبوها يربيها من جديد!
طارق عروق رقبته نفخت، وعينيه احمرت، ورفع إيده في الهوا وقرب مني وهو فاقد أعصابه، وكان على وشك إنه يمد إيده أو ينطق الكلمة اللي مفيهاش رجوع.. كلمة الطلاق اللي حماتي كانت مستنياها بنظرة انتصار مرعبة مرسومة في عيونها.
بس في اللحظة دي بالذات.. في الثانية اللي كانت هتنهي كل حاجة.. أنا مكنتش بعيط، ولا كنت مرعوبة. وقفت في نص الصالة، رفعت راسي لفوق، وبصيت لطارق في عينيه بكل ثبات خلاه يوقف إيده في الهوا كأنه اتكهرب. طلعت تليفوني من جيبي الصغير في العباية، وضغطت على زرار التشغيل.. وصوت التسجيل بدأ يملى الصالة..
صوت حماتي وهي بتقول لنجوى ورا الباب المتوارب سيبك إنتي بس يا نجوى.. أنا سممت عيشتها، خليت عيالها يقرفوا من لقمة بطنها ويكرهوا قعدتها.. أنا بستقصد أطلع لها في ميعاد الغدا بالذات عشان أهزقها قدام العيال وأكسر شوكتها… مسألة وقت وطارق هيزهق من النكد وعياط العيال، وساعتها الشقة دي والقرشين يبقوا تحت طوعي، وهي ترجع لبيت أبوها بشنطة هدومها زي ما دخلت!
الصوت كان واضح، نقي، ومفهوش غلطة.. صوت الفحيح رن في ودان الكل زي الرعد. إيد طارق نزلت جنبه ميتة.. وشه اتحول من الغضب لذهول شل حركته تماماً. حماتي حطت إيدها على بؤها وعينيها برقت بجنون، ونجوى رجعت لورا خطوتين كأن عزرائيل واقف قدامها، والحاج عبد الرحيم نزل عصايته على الأرض ببطء، ورفع راسه يبص لحماتي بنظرة موت.
بصيت لطارق، وبعدين بصيت لحماتي اللي كانت بتترعش، وقلت بصوت مسموع وواضح ده السم اللي كنت ببلعه ست شهور عشان خاطرك وخاطر عيالك يا طارق.. ده اللي كان بيتقال في ضهر ابنك اللي كان بينام جعان مكسور الخاطر.. ودلوقتي، العزومة اللي فوق جاهزة، والجدي مستني، بس السؤال هنا.. مين فينا اللي المفروض يلم هدومه ويغور من البيت ده؟!
وقبل ما حد ينطق بحرف، صوت طارق طلع مخنوق زي الذبيح وهو بيلف وشه ناحية أمه…. يتبع


