سـم حمـاتي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز

ألاقيها طالعة بأكياس خضار أو بطاطس من اللي بتجيبها رخيصة، أعرف إن اليوم ده مفيهوش زفارة، أستقصد أطلع لها في ميعاد الغدا بالذات عشان أهزقها قدام العيال! وعارفة الأيام اللي بتعمل فيها فراخ أو كفتة؟ بقعد تحت ومطلعش، عشان مديهاش فرصة تحس إنها ست بيت شاطرة أو تفرح عيالها قدامي! إنتي فاكرة إني مش شامة ريحة أكلها؟ شامة وعارفة، بس الغرض إن العيال يفضلوا يبصوا لعيالك إنتي يا نجوى، يشوفوا عيالك بياكلوا بانيه وبرجر وحمام، فيحسوا بالدونية، وطارق يفضل شايف إن مراته مقصرة وعاجزة! مسألة وقت وطارق هيزهق من النكد وعياط العيال، وساعتها الشقة دي والقرشين يبقوا تحت طوعي، وهي ترجع لبيت أبوها بشنطة هدومها زي ما دخلت!
الدنيا لفت بيا.. السلم الرخام اتحول لموج عالي بيسحبني للغرق. الدم ضرب في نفوخي لحد ما وداني صرخت بصفارة طويلة مش سامعة غيرها. يعني الموضوع مش صدفة؟! مش صدفة إنها مكنتش بتهل عليا غير في أيام العدس، وأيام البصارة، وأيام صينية البطاطس الأرديحي؟! ست شهور كاملة، ست شهور بدموعي، وحرقة دمي، وحيرتي مع طارق لما يرجع بالليل يلاقي الولاد زعلانين وبيشتكوا من الأكل ويقولي هو مفيش في البيت ده غير المشاكل يا أسماء؟ متطبخي لهم حاجة عدلة يا ستي وريحينا! ست شهور بتفنن إزاي أدبر الميزانية بالمليم عشان أجيب لطارق وجبة لحمة تليق بشقاه يومين في الأسبوع، وأحرم نفسي عشان عيالي ياكلوا في الستر، وهي كانت بتراقب، بتترصد للقمة عشان تنزع منها طعم البركة والرضا!
أسناني صكت على بعضها برعشة غريبة، مش رعشة خوف.. لأ، دي رعشة الحُمّى اللي بتصحي الميت. رعشة الوجع اللي لما بيزيد عن حده بيتحول لجبروت. لفيت ضهري، مروحتش السوبرماركت، ولا اشتريت ملح. ملح إيه اللي هشتريه وأنا البيت كله عندي ملح ومطروح فيه السم؟ طلعت السلم، خطوة ورا خطوة، مش حاسة بوزني، كأني طايرة على سحاب من نار. فتحت باب شقتي براحة ودخلت.
الصالون كان هادي، عمر ومازن قاعدين في الركن، صينية المكرونة كانت بردت تماماً، وطبقة الصلصة كرمشت وعملت وش ناشف، وطبق البيض المسلوق اللي كنت مدحرجاه بالسمنة البلدي رقد زي ما هو، كأنه ميت في عزا. عمر بصلي بعيون مدمعة، الواد اللي عنده تسع سنين حاسس بالذنب ومش فاهم ماما.. إحنا فقرا أوي كده عشان بناكل مكرونة وبيض؟ هو إحنا مش هنبقى زي ولاد عمتي ولاد طنط نجوى؟
الجملة دي قطعت آخر عرق صبر جوايا. دموعي مانزلتش.. الدموع دي للضعفا، وأنا عيالي مش هيبقوا ضعفا ولا مكسورين لحد. قربت من عمر، نزلت على ركبي، مسكت وشه بين إيديا الاتنين، وعيني في عينه بكل قوة بص لي هنا يا عمر.. بص لي يا مازن. اللقمة دي حلال، أبوك جايب قرشها بعرقه وشقاه من الفجر للمغرب، مفيش فيها قرش حرام، ومفيش فيها سلف، ومفيش فيها هوان. المكرونة دي نعمة ربنا اللي غيرنا بيتمنى يشم ريحتها، وإحنا بيتنا عمران بالستر، فاهمين؟ اللي يقولكم إنكم قليلين، يبقى هو اللي ناقص وعينه فارغة! ومفيش مخلوق في الدنيا دي هيخليكم تطاطوا راسكم، لا تيتا ولا غير تيتا، فاهمين؟!
الولاد اتخضوا من لهجتي، دي مش مامتهم الطيبة اللي بتبكي وتتحايل عليهم عشان ياكلوا، دي ست تانية خالص ملامحها حديد. مازن بلع ريقه وهز راسه بسرعة، وعمر مد إيده ومسك المعلقة وبدأ ياكل، وبص لي وقالي والله طعمها حلو يا ماما.. والله الصلصة بتاعتك أحلى صلصة. ابتسمت بمرارة، وطبطبت على كتفهم، وشيلت الصينية من قدامهم بعد ما أكلوا، وأنا عقلي شغال زي التوربين، بيبني خطة جهنمية.. خطة تردلي اعتباري واعتبار شقا سنيني اللي عايزين يهدوه عشان شوية غل وسواد قلوب.
الساعة دقت ستة المغرب، وده ميعاد رجوع طارق جوزي. طارق راجل طيب، بس مسالم بزيادة، ومن نوع الرجالة اللي بيخافوا من كلمة أمك زعلانة، ونجوى وحماتي كانوا عارفين نقطة ضعفه دي كويس وعازفين عليها لحن الخراب. دخل طارق، وشه مجهد، والقميص الأبيض بتاعه معفر بتراب اليوم في الورشة ومحل قطع الغيار. رمى المفاتيح على الترابيزة وقعد على الكنبة بتعب مساء الخير يا أسماء.. هاتيلي شوية مية باردة الله يرضى عليكي، اليوم كان طاحونة.
جبت له المية، وقعدت جنبه بهدوء مريب. سألته بصوت ناعم، مفيهوش أي نكد حمد الله على سلامتك يا أبو عمر.. بقولك إيه، الجمعية اللي كنت قابضاها أول الشهر، فاكرها؟ طارق شرب المية وبصلي باستغراب آه فاكرها، قولتي هتشيليها عشان مصاريف المدارس والدروس بتاعت الواد عمر، فيها حاجة؟ لا يا حبيبي، مافيهاش حاجة، بس الجمعة الجاية إنت عارف إن عمك وأولاده جايين من البلد يزوروكم في بيت العيلة، وأمك كانت بتقول تحت إنها عايزة تعمل عزومة تلم الكل، بس مصاريف الشهر مقصرة معاها. طارق اتعدل في قعدته وعينيه وسعت بجد؟ أمي قالت كده؟ والله كتر خيرها إنها عايزة تلمنا، بس نجوى قالتلي إمبارح إنهم مش هيقدروا يشاركوا عشان سلفة المدرسة بتاعت كريم.
ابتسمت بمكر خبيث جوايا ولا يهمك، إحنا اللي هنشيل العزومة كلها يا طارق! إحنا عيالها برضه، ومينفعش عمك ييجي من البلد ويلاقي سفرة بيت الحاج مفيهاش ما لذ وطاب. أنا هدفع من فلوس الجمعية، وهنزل بنفسي السوق

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *