كشـري سلفـتي ج 1 حكـايات مني السيد حصري

فتحت الباب ببطء، وأنا متوقعة ألاقي حماتي جاية تكمل عليا كلمتين من بتوع “لمّي الدور”، أو سلفة من الاتنين جاية تبصلي باستهزاء… لكن لقيت قدامي بنت سلفتي الصغيرة، عندها ييجي تمن سنين، واقفة وماسكة في إيدها شنطة بلاستيك سودا مش باين إيه اللي جواها، وعينيها في الأرض وخايفة.
بصيت للبنت باستغراب وسألتها:
ـ في إيه يا حبيبتي؟ ماما باعتة حاجة؟
البنت مدت إيدها بالشنطة وترددت لحظة، وقالت بصوت واطي ومتقطع:
ـ ماما بتقولك… خدي دول، وماتقوليش لحد إنك محتاجة حاجة، وإحنا مش هنخليكي تبصي على عيشة حد تاني.
أنا وقفت متسمرة في مكاني. الكلمة نزلت عليا زي جردل مية متلجة. الشنطة كانت تقيلة في إيد البنت، فتحتها وأنا إيدي بتترعش من غير ما أحس. لقيت جواها كيسين رز، وكيس مكرونة، وقزازة زيت، وكيس عدس أصفر وبني! مؤن بيت كاملة مبعوتة لي في شنطة سودا، وكأنها صدقة أو إحسان!
الدم ضرب في نفوخي لدرجة حسيت بوداني بتصفر. البنت جريت على السلم ونزلت، وأنا فضلت واقفة على عتبة الباب، ماسكة الشنطة في إيدي ومش قادرة أستوعب حجم الغل اللي يخلي واحدة تفكر التفكير ده وتعمل الحركة دي! هي مش بس قالت عليا عيني فارغة، هي قررت تعاملني كإني شحاتة على باب شقتها، وبتكسر نفسي بحبة تموين!
قفلت الباب ودخلت الصالة، رميت الشنطة على الأرض جنب الباب. وقفت أبص لها وأنا ضربات قلبي سريعة جداً. الموضوع مبقاش مجرد طبق كشري اتقال عليه كلمتين في المنور، دي حرب باردة بتترتب، وكرامتي بتتداس علناً قدام البيت كله.
قعدت على الكنبة، وبدأت أربط الخيوط ببعض. سلفتي دي بالذات من يوم ما اتجوزت وسكنت في البيت ده، وهي مش ساكتة. كل حركة أعملها، كل طقم أشتريه لعيالي، كل حاجة تتصلح في الشقة، كانت تسأل عليها وتدقّق. وأنا بطبعي كنت بقول عادي، ستات بيوت وبيدردشوا. لكن عمري ما تخيلت إنها شايشة كل ده جواها، وإنها مستنية أي هفوة، مجرد طلب بسيط وعفوي، عشان تطلع كل السواد ده وتقنع البيت كله إني ببص في رزقها.
المصيبة مش فيها هي بس… المصيبة في جوزي. كلامه إمبارح رن في ودني تاني: “إنتِ اللي عملتي لنا المشكلة! روحي اعتذري لها!”
جوزي اللي المفروض سندي وضهري، أول ما اتحطينا في موقف، اختار يضحي بكرامتي عشان “يشتري دماغه” وميعملش مشاكل مع أخوه! الراجل دايماً يهمه البيت يفضل هادي حتى لو الهدوء ده على حساب كرامة مراته.
مسكت الموبايل، كنت على وشك أرن عليه وأقوله شوف أخت أخوك باعتة إيه وبتعمل فيا إيه، بس رجعت سكتّ. قلت لو رنيت عليه دلوقتي وقلتله، هيقول لي: “ما البنت جابتلك طلبات وخير، بتكبري المواضيع ليه؟” هو مش هيفهم الإهانة اللي مستخبية ورا الحركة، هيبص لسطح الموضوع بس.
قررت أهدا، وأفكر بعقلي مش بمشاعري.
شلت الشنطة السودا زي ما هي، وحطيتها في الدولاب جوة، مقربتش منها ولا فتحت فيها كيس. وقفت في المطبخ، وبدل ما أنكسر، طلعت لحمة من الفريزر، وخضار، وبدأت أطبخ. كنت عايزة ريحة الأكل تملى المنور، عشان تعرف إني مش مستنية منها طبق ولا كيس رز، وإني عايشة في خير جوزي ومبسوطة، ومفيش حاجة ناقصاني.
المنور اللي كان سبب في المشكلة، هو هو اللي هيسمعها رنة الحلل وريحة الأكل اللي مفيش أحسن منه. بس الغيظ مكانش سايبني، وكل ما أفتكر كلمة “عينك مش مليانة”، أحس بوجع في صدري لا يوصف. حسن النية هو اللي بيودي في داهية في بيوت العيلة، لما تتعاملي بقلب أبيض مع ناس قلوبها مليانة حسابات.
العصر أذن، وسمعت صوت رجليها وهي طالعة نازلة على السلم، بتتعمد ترزع الأبواب وتتكلم بصوت عالي مع الجيران والسلايف التانيين، وتقول كلام متلقّح:
ـ أصل الناس اللي باصة في غيرها ما بتشبعش أبداً! لو اديتيهم عينيكي برضه مش عاجبهم!
وسلفتي التانية ترد عليها وتضحك:
ـ يا أختي ياما بنشوف، ربنا يكفينا شر العين الوحشة!
كنت سامعة كل حرف من المنور. كانوا قاصدين يسمعوني، قاصدين يحاصروني ويحسسوني إني معزولة ومذنبة. دموعي نزلت غصب عني من القهرة، مسحتها بسرعة وقلت لنفسي: لا، مش هخليهم يشوفوا ضعفي أبداً.
على المغرب، رجع جوزي من الشغل. دخل، شاف الأكل محطوط على السفرة، بص للأكل وبعدين بصلي. وجهه كان مقلوب ومكشر. قعد على الكرسي وقال ببرود:
ـ نزلتي اعتذرتي لها؟
سكت لحظة، وبصيت في عينيه مباشرة، وقلت له:
ـ لا يا أحمد، منزلتش. ومش هنزل.
رمى المفاتيح على الترابيزة بصوت عالي وقام وقف:
ـ هو إنتِ مبتفهميش؟! أنا مش قايل لك من إمبارح تخلصي الحوار ده؟ إنتِ عايزة البيت يولع؟ عايزة تعملي بيني وبين أخويا قطيعة عشان تفاهات؟
قلت له بهدوء عكس البركان اللي جوايا:
ـ التفاهات دي هي كرامتي يا أحمد. مرات أخوك باعتة لي الصبح بنتها الصغيرة بشنطة تموين، مكرونة وزيت وعدس، وبتقول لي خدي عشان ما تبصيش في عيشتنا! ده يرضيك؟ ده يرضي رجولتك إن مراتك تتبعت لها صدقة وإحسان عشان طلبت طبق كشري بأخوة وحسن نية؟
أحمد اتلجم شوية، وسكت دقيقة. عينه راحت يمين وشمال، وكنت شايفة التردد في وشه، بس الكبر والهروب من المشاكل كان أقوى منه. نفخ بضيق وقال:
ـ وإيه يعني؟ يمكن شافت إنك محتاجة وحبت تجاملك؟ إنتِ ليه بتفسري كل حاجة بسوء نية؟
الكلمة دي قطعت آخر حبل كان باين بيني وبينه في الأزمة دي.
بصيت له بذهول:
ـ تجاملني؟ بتبعت لي تموين تجاملني بيه بعد ما قالت عليا عيني فارغة وباصة في أكلها؟ إنت مصدق نفسك وإنت بتقول الكلام ده؟
أحمد زعق:
ـ أنا اللي يهمني أمي وإخواتي ميقاطعونيش! الموضوع ده هيتقفل النهاردة، هتنزلي تعتذري وتشكريها على اللي جابته، وتخلصينا من قلة القيمة دي!
قلت له بمنتهى الحسم:
ـ على جثتي أنزل أعتذر عن حاجة ما غلطتش فيها. أنا طلبت أكل بحسن نية، وهي اللي فضحتني في المنور وقالت إني حاسداها وباصة في عيشتها، وهي اللي بعتت تكسر نفسي بالتموين ده. لو عايزني أعتذر، طلقني أحسن، لأن اللي تتنازل عن كرامتها بالشكل ده ما تستاهلش تعيش معاك.
البيت اتقلب سكوت تام بعد الكلمة دي.
أحمد بصلي بصدمة، مكنش متوقع إن ردي يوصل لحد كلمة الطلاق. هو متعود إني أتنازل وأسكت وأقول عشان المركب تمشي، بس في حاجات لما بتتكسر، مبيرجعش نفع فيها أي تنازل.
فضل باصصلي وهو مش لاقي كلام يقوله، وفجأة سمعنا صوت دوشة على السلم، وصوت حماتي طالع من تحت وهي بتنادي:
ـ يا أحمد! يا إبراهيم! انزلوا لي حالا تحت!
أحمد بصلي بغيظ، وخرج ورزع الباب وراه ونزل.
وقفت مكاني، قلبي كان بيدق، بس حسيت بقوة غريبة. خلاص، مابقاش عندي حاجة أخسرها. فتحت باب الشقة على مهل، ووقفت في الطرقة أسمع إيه اللي بيحصل تحت عند حماتي.
الصوت كان عالي جداً.
سمعت سلفتي بتعيط وبتقول:
ـ شوفتي يا حماتي؟ من يوم ما طلبت طبق الكشري والبيت اتقلب، الواد الصغير سخن فجأة ورجع، والخلاط اتحرق، والغسالة وقفت! عينيها وحشة ومدورة، ومهما أدّيها مش راضية! باعتة لها خير الصبح لحد بابها عشان أكفي شرها، برضه مفيش فايدة، باصة في لقمتنا وعايزة تخرب بيتي!
وسمعت سلفتي التانية بتسخنها:
ـ أيوا يا خالتي، ده حتى صوت حللها النهاردة كان طالع في المنور بقصد وكأنها بتغيظنا!
وحماتي بصوتها الحاد قالت:
ـ البت دي لازم تتربى وتعرف إن البيت ده له كبير، لو مش عاجبها عيشتنا تروح لبيت أبوها! فين أحمد؟ خلوه يجيبها وينزل لي حالا!
رجعت خطوتين لورا ودخلت شقتي، وقفلت الباب بالمفتاح.
كنت عارفة إن الخطوة اللي جاية هي المواجهة الكبيرة قدام حماتي وسلايفي كلهم. هما فاكرين إني هطلع الست المكسورة اللي هتنزل تبوس الإيدين وتعتذر عشان تعيش في أمان، ومش عارفين إن القهرة لما بتزيد بتتحول لقوة تهد أي بيت مبيعرفش يحفظ حق المظلوم.
دخلت الأوضة، مسكت تليفوني، واتصلت بحد مكنتش ناوية أدخله في مشاكلي أبداً… بس المرة دي الموضوع مش خناقة سلايف، دي مسألة شرف وعزة نفس.
اتصلت بأخويا الكبير، ولما رد عليا وقال:
ـ ألو، إزيك يا حبيبتي، عاملة إيه؟
رديت عليه وصوتي ثابت جداً ومفيهوش دموع:
ـ تعالالي يا محمد… تعالالي حالا عند بيت حمايا، عشان أختك كرامتها بتتباع برخص التراب، والنهاردة الحساب هيتصفى.
يتبع

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *