بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٣

“كنتُ أعلم أن هذا اليوم قادم لا محالة، وأنك لن تتوقف حتى ترفع الستار عن آخر الصفحة. لكن العلم بالحقيقة يا يونس ليس دائماً نجاة، أحياناً يكون الحبل الذي يلتف حول عنق صاحبه.”
رد يونس بثبات وعيناه تتفحصان ملامح الشيخ الغامضة:
“لم أعد أبحث عن النجاة يا شيخ سليم، بل أبحث عن إغلاق هذه الدائرة. لقد عشتُ سنواتٍ طويلة أطارد ظلالاً لا أراها، واليوم فقط بدأت أرى ملامح الأشخاص الذين صنعوا هذه اللعبة. هذه الأوراق لا تحمل مجرد أسماء، بل تحمل حسماً لقصة بدأت قبل أن أولد.”

تنهد الشيخ سليم عميقاً، وغرس عصاه في الأرض الترابية كأنه يثبت نفسه أمام رياح الليل العاتية، ثم قال وهو يشير بعصاه نحو الأفق المظلم:
“إن كنت تظن أن ما بين يديك هو القاع، فأنت لم تبدأ الغوص بعد. تلك الأسماء المكتوبة بالتحبير الأسود ليست سوى واجهة لشيء أكبر. الرجل الذي أودع هذه الرسائل هنا لم يكن يبحث عن كما ظننت، بل كان يحاول حماية ما تبقى من الشرف قبل أن يلتهمه النسيان. ولكنك الآن، بفتحك لهذا الصندوق، أعدت إشعال الفتيل الذي حاولنا جميعاً إطفاءه.”
تقدم يونس خطوة نحو الشيخ، ورفع الرسالة العليا ليواجهه بها:
“إذن اعترف لي.. هل كنتَ جزءاً من المخطط؟ هل كان صمتك كل هذه العقود حمايةً لي أم حمايةً لنفسك وللذين رحلوا؟”
صمت الشيخ سليم لبرهة، وصوت الريح الصفير يملأ المكان، ثم انحنى قليلاً ونظر مباشرة إلى عيني يونس وقال بنبرة ملؤها الأسى:
“الصمت كان الثمن الوحيد لإبقائك حياً. لو نطقتُ بحرف واحد في ذلك الوقت، لم تكن لتكون واقفا أمامي الآن تطالب بالحساب. كل قطرة حبر على هذه الأوراق دُفع مقابلها دمٌ سُكب في الخفاء. لم نكن ملائكة، ولكننا لم نكن الشياطين الذين تتخيلهم.”

صمت يونس، وشعر ببرودة المطر تطرق جبهته. المتسارعة كانت تتناغم مع أصوات قطرات المطر التي بدأت بغزارة على السقف الصفيحي للبيت المهجور. أدرك في تلك اللحظة أن كل خطوة خطاه نحو الحقيقة كانت تبعده عن الأمان الذي عرفه طوال حياته، وأن كل قناع يسقط يكشف عن وجه أكثر تعقيداً مما قبله.
لم يعد هناك مجال للرجوع إلى الخلف. خريطة الأحداث أصبحت واضحة، والخطوة القادمة ستقوده مباشرة إلى المواجهة الكبرى مع الشخص الذي أدار كل هذه الخيوط من خلف الكواليس، ذلك الظل الذي ظل مختبئاً عقوداً طويلة ينتظر هذه اللحظة بالذات.
نظَر يونس إلى الأوراق مرة أخيرة، ثم طواها بعناية وأدخلها داخل معطفه المقاوم للمطر. نظر إلى الشيخ سليم بثبات وقال:
“مهما كان الثمن، سأكمل ما بدأته. لم يعد هناك مكان للخوف في هذه المعادلة.”
استدار يونس ومشى بخطوات واثقة في الممر الضيق، مخترقاً الظلام والمطر، بينما ظل الشيخ سليم واقفا في مكانه، يراقبه وهو يبتعد حتى ابتلعته عتمة الليل، وهو يعلم أن الفصل القادم لن يبقي ولا يذر.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *