بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٣

أخذ إبراهيم القلم، وبأصابع مرتجفة وعيون مغشاة بالدموع والندم القاتل، بدأ يوقع على وثائق الطلاق والتنازل والإبراء، ورقة ورا ورقة. كل توقيع كان بيمثل نهاية لقصة استغلال طويلة، وبداية لصفحة جديدة ناصعة البياض.
بعد ما خلص التوقيع، أخذ الأستاذ مجدي الأوراق ومهرها بختمه، وأعطاني النسخ الخاصة بي، وأخذت رزم الأموال وحطيتها في حقيبتي الجلدية الصادرة من جهدي.
وقفت عند باب المكتب، وبصيت لإبراهيم للمرة الأخيرة. كان قاعد مكسور على الكرسي، رأسه بين إيديه، وأمه جنب منه تبكي في صمت. لم أشعر تجاهه بأي كره أو غضب في تلك اللحظة؛ بل شعرت برحمة شفوقة على رجل أضاع بيته وزوجته وشرفه المالي من أجل لحظة غرور كاذبة.
قلت له بنبرة هادئة وأخيرة: “وصية أبا تحققت يا إبراهيم… الدهب زاد وما نقصش، وأنا زدت قوة وعقل. ربنا يهديك لنفسك”.
خرجت من المكتب، وسرت في شوارع وسط البلد. كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، والضياء يملأ الأركان. تنفست هواء الحرية والكرامة بعمق، وحسيت إن روح أبا الله يرحمه تحوم حولي، تبتسم لي وتقول: “عفارم عليكي يا بنت أبا… صنتي الوداد، ورجعتِ الحق، وما سبتيش قيمتك تتداس”.
ركبت التاكسي وراجعة على بيت أبا، وفي عقلي ألف فكرة وفكرة للمستقبل. مشروعي هيكبر، والمكنة القديمة هتلف وهتطلع أرقى الموديلات، وبيت أبا هيبقى أكبر ورشة خياطة في المنطقة، بفلوس حلال وشقا نقي مافيهوش نقطة واحدة من غدر أو استغلال.
لكن الحياة، بضفائرها الملتوية ومفاجأتها التي لا تنتهي، كانت ما زالت تخبئ لي خطوة أخرى… خطوة ستبدأ من غدٍ، عندما يطرق بابي شخص لم أكن أتوقعه أبداً، ليفتح أمامي باباً جديداً لم أكن أعلم أنه موجود من الأصل!
الفصل السادس: بين الظلال والنور
كان الليل قد ضرب سدوله على القرية القديمة، ولم يتبقَّ من أثر الشفق إلا خيطٌ بارد متصل بأطراف الجبال البعيدة. وقف يونس على أعتاب البيت المهجور، والهواء المحمل برائحة الغبار والمطر المتساقط يعصف بوجهه. كانت الأوراق القديمة التي وجدها في الصندوق الخشبي تزن في يده أثقل من حجارة القرية كلها، وكأنها تهمس بأسرارٍ دُفنت عمداً تحت الركام لسنوات طوال.
صوت خطواتٍ متثاقلة أخرجته من ذهوله. التفت بسرعة ليجد الشيخ سليم يقف عند مدخل الأزقة الضيقة، يتكأ على عصاه الخشبية العتيقة التي اعتاد أن يخفي بها عثرات السنين. لم تكن في عيني الشيخ تلك النظرة الهادئة التي عرفها الجميع عنه، بل كانت هالة من الحذر والترقب تكتنفه من أقصاه إلى أقصاه.
اقترب الشيخ بخطوات موزونة حتى صار على بعد خطوات قليلة، ونظر إلى الأوراق التي بين يدي يونس ثم رفع عينيه قائلاً بصوت خفيض تشوبه بحة كبر السن:


