بابا قبل جوازي حكايات اماني السيد ٣

أشرقت شمس اليوم التالي محملة برائحة الحسم. كان الهواء في شوارع القاهرة ثقيلاً، لكنني كنت أشعر بخفة غير معتادة، خفة السير دون أوهام وخوف. ارتديت عباءتي الكحيلية البسيطة التي فصلتها بنفسي، وربطت حجابي بإحكام. لم أضع نقطة زينة واحدة؛ فملامحي الصارمة وعيناي الثابتتان كانتا أبلغ زينة لامرأة تخوض معركتها الأخيرة لاسترداد كرامتها قبل مالها.
وصلت إلى مكتب الأستاذ مجدي في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً. كان المكتب يقع في بناية قديمة بوسط البلد، بأسقفها العالية وأبوابها الخشبية الضخمة التي تفوح منها رائحة الورق والمداد والقضايا القديمة. استقبلني الأستاذ مجدي بابتسامة واثقة، وأشار لي بالجلوس في غرفة المكتب الفخمة ذات المكاتب الخشبية المغطاة بالجلد الأخضر.
“كل حاجة جاهزة يا مدام”، قال الأستاذ مجدي وهو يراجع الأوراق، ثم أردف: “الإنذارات، وإقرارات استلام النقدية، وعقود التنازل والتسوية الودية، وبلاغ النيابة الجاهز للتقديم في حال أبدوا أي إعراض أو مماطلة. أنتِ ثابتة كالجبل، وأنا معجب جداً بإدارتك للموقف”.
قلت له بنبرة هادئة: “اللي يتربى في بيت أصول على القرش الحلال يا أستاذ مجدي، ما بيهتزش قدام النصابين، حتى لو كان النصاب ده هو اللي شاركني سقف بيت واحد”.
قبل أن يتم الأستاذ مجدي كلامه، سمعنا طرقات متسارعة على الباب الخارجي. فتح السكرتير، ودخلت حماتي يتبعها إبراهيم. كان منظرهما في تلك اللحظة ملخصاً لكل الدراما التي جرت في الأيام الماضية. حماتي تبدو متعبة، تحاول الحفاظ على ما تبقى من وقار الحاجة المسافرة لبيت الله، تحمل حقيبة يد كبيرة تحيط بها بجلد قوي. أما إبراهيم… فكان شخصاً آخر تماماً عن ذلك الرجل الذي وقف في صالة بيته منذ أيام يتنفخ غروراً ويصيح بـ “التضحية والبر”.
كان وجهه شاحباً، عيونه زائغة ومحاطة بهالات سوداء من أثر السهر والتفكير، قميصه لم يكن مكوياً بدقة كالعادة، وكتفاه منثنيان إلى الأمام كأنه يحمل صخرة تجره إلى الأسفل. لم يجرؤ حتى على النظر في عيني مباشرة عندما دخل الغرفة؛ بل اكتفى بإلقاء نظرة خاطفة وسريعة ثم طأطأ رأسه نحو الأرض.
قال الأستاذ مجدي بنبرة رسمية صارمة: ” اتفضلوا استريحوا. أظن الأسباب والمواضيع معروفة للجميع، ومش محتاجين نضيع وقت في كلام ملوش لازمة”.
جلس إبراهيم على الكرسي المائل لليمين، بينما جلست أمه بجانبه وحطت الحقيبة على المائدة، وقالت بصوت جاف وهي تنظر للمحامي: “أنا جبت الفلوس يا أستاذ.. الفلوس اللي طلبتموها بسعر الدهب النهاردة زي ما طلبت بنت الأصول، وجايبة ابنك عشان يمضي على كل الأوراق اللي تضمن إن البت تاخد حقها، وإن ابني ينصلح حاله وما يتسحبش على الأقسام والنيابات”.


