عمي حكاايات زهره الربيع ٤

أما عمي عبد الصمد، فاعترف بكل حاجة، واعترف إنه استغل ثقة أمي في أخو جوزها، وإنه كان بيحاول يخلي العيلة تتعود على اللحوم اللي بيجيبها عشان محدش يسأل عن مصدرها. واعترف كمان إن موت أبويا حصل بسبب خوفهم من إنه يفضحهم، وإنه كان حاضر في الليلة الأخيرة لكنه لم يكن الشخص الذي نفذ الجريمة. وبعد شهور من التحقيق، ظهرت الحقيقة كاملة، واتبرأ اسم أبويا من كل اللي اتقالت عليه، وعرفت أمي إن جوزها فضل يحاول يحمي أولاده لآخر لحظة. أما أنا، فأصبحت كل ما أفتكر أول خمس سنين من حياتنا بعد وفاة أبويا، أفتكر أكياس اللحمة السودا اللي كانت بتدخل بيتنا كل جمعة، وأفتكر قد إيه ممكن الإنسان يصدق شخص لمجرد إنه بيظهر قدامه بصورة الطيب والحنين.
وعرفت إن الكرم مش دايمًا دليل على نقاء القلب، وإن الشخص اللي بيقدم لك حاجة من غير ما يسألك عنها ممكن يكون بيخبي وراها حاجة أخطر بكتير. لكن أهم حاجة اتعلمتها إن الخوف ساعات بيخلينا نصدق أسوأ الاحتمالات قبل ما نعرف الحقيقة، وإن الشائعة ممكن تقتل سمعة إنسان بريء، زي ما حصل مع أبويا. وبعد ما رجعت حياتنا تهدى، أمي قررت ما تقبلش أي حاجة من أي حد من غير ما تعرف مصدرها، وأنا كبرت وأنا شايلة في قلبي درس عمري ما هنسيه: مش كل إيد بتمد لك الخير بتكون إيد أمينة، ومش كل شخص بيقول إنه سندك بيكون فعلًا سند. الإنسان لازم يستخدم عقله، ويسأل، ويتأكد، ومايسمحش للثقة العمياء إنها تعميه عن الحقيقة. وفي النهاية، اللي بيعمل الخير بجد مش بيحتاج يخبيه، واللي بيبني علاقته بالناس على الخداع، مهما طال الزمن، الحقيقة في يوم من الأيام هتظهر. والحكمة اللي فضلت معانا من كل اللي حصل: “متصدقش المظاهر، ومتبيعش عقلك مقابل كلمة حلوة أو خدمة مجانية؛ لأن بعض الهدايا ثمنها أغلى من قيمتها، والحقيقة مهما اتدفنت، عمرها ما بتموت.”
