حكايات اسما السيد ٢

أحمد وقع على الكرسي كأنه اتضرب على رأسه بشوم. الدم هرب من وشه تماماً، والتليفون فضلت نوال تصرخ فيه وتستغيث، لحد ما الصوت انقطع فجأة وصوت محقق الشرطة طلع من الميكروفون:
— الأستاذ أحمد؟ حضرتك مطلوب فوراً في نيابة الأموال العامة للإدلاء بأقوالك في القضايا المسجلة باسم الشركة، ومعانا أمر ضبط للوالدة.
أحمد أخد التليفون وإيده بتتعد، وقال بصوت حشرجي:
— أنا… أنا جاي فوراً يا فندم. أنا ماليش دعوة بأي حاجة، أنا هقدم كل المستندات!
قفل الخط، وبصلي برجاء وألم شديد، وهو مدرك إن أمه ما دمرتش بس بيته وجوازه، دي كانت هتودي مستقبله وحريته في داهية عشان طمعها وجشعها وسيطرتها المرضية.
قرب مني، وقال بصوت مكسور تماماً:
— سارة… أرجوكي… مريم صاحبتك وشاطرة، شهادتكم وأوراق البنك اللي معاكم هي الوحيدة اللي تقدر تنقذني وتثبت إني كنت مغفل وما أعرفش حاجة عن قذارة الشركة دي! أرجوكي يا سارة ما تسيبنيش أتسجن في حاجة ماليش ذنب فيها!
بصيت له للحظات طويلة. الشفقة جزر صغير جوايا، بس الوجع اللي عشته والظلم اللي شفته في الشارع كان أكبر بكثير.
قلتله بنبرة حاسمة:
— أنا مش أذية يا أحمد، وعمري ما كنت افتراء. مريم هتقدم للنيابة كل كشوفات الحسابات اللي بتثبت إنك كنت بتتخدع، وشهادتي أمام النيابة هتكون الحق… هقول إنك كنت أعمى وبتبص من عيون أمك، بس ما كنتش شريك في جرائمها المالية. هحميك من السجن يا أحمد… عشان السبع سنين اللي كان فيهم أيام حلوة بيننا. بس لحد هنا… وكل واحد يروح لحاله.
مسك القلم بسرعة، وعلى الورقة اللي كانت قدامه على الترابيزة—ورقة الاتفاق والتنازلات والطلاق الودي—وقع بصوابع بترتعش، وحط البصمة وهو بيعيط بحرقة، دموع ندم على كل لحظة صدق فيها أمه وظلم فيها مراته.
أخدت الورقة، وحطيتها في شنطتي.
بصيت له للمرة الأخيرة وقلتله:
— روح للنيابة يا أحمد، وخلص نفسك من الغرق. وأمك… خليها تفهم إن قوانين بيتها وبطشها ما ينفعوش قدام عدالة ربنا والقانون.
سبته قاعد في الكافيه مكسور، وخرجت للهواء المفتوح.
بعد شهرين…
نوال اتصدر ضدها حكم بالسجن في قضايا النصب والتهرب الضريبي، وأحمد خرج منها بكفالة وبراءة بفضل المستندات اللي مريم قدمتها وشهادتي في النيابة، بس خرج منها واحد تاني خالص… خساراته كانت كاملة: بيته، مراته، وسمعته، حتى أمه اللي كان فاكرها الملاك الحارس طلعت هي السبب في خرابه.


