كنت عند ماما بروح أطمن1

“وليه ما حكيتيش يا هيام؟” سألتها بصوت مرتعش. “ليه سيبتوني أفهم غلط؟ ليه سيبتيني أمشي امبارح وأنا حاسة إني كارهة الدنيا ومكسورة قدام عيالي؟”
تنهدت هيام وقالت: “ماما هي اللي حنّفت عليا ما أقولكيش. كانت بتقولي: ‘هدى ظروف جوزها على قده، لو عرفت إن المعاش واقف وإن طارق هو اللي يصرف، هتزنق نفسها وتبيع اللي حيلتها عشان تساعدني، وأنا مش عوزاها تشيل همي ولا تحس إنها مقصرة’. ماما كانت بتحميكي يا هدى! كانت بتاكل في نفسها وتحتمل الإهانة ونظرات قسوتك ليها امبارح، عشان ما تحملكيش عبء مالي إنتي مش قدّه.”
قفلت السكة مع هيام وأنا مش قادرة أقف على رجلي. قعدت على الصالون، وبصيت لصالة شقتي البسيطة. افتكرت جوزي اللي بيطلع من الصبح للمغرب عشان يكفي مصاريفنا بالعافية، وافتكرت نفسي وأنا دايمًا رايحة لأمي بإيد فاضية أو بحاجة بسيطة على قدنا، وبخدمها بنظافة البيت والمطبخ، وفاكرة إني كده شايلها… في حين إن أختي وجوزها كانوا شايلين الماديات ومكتفين بعصر أمي وتحجيمها.
الموقف اتعكس تماماً. امبارح كنت حاسة بالظلم، والنهارده حاسة بالذنب. الذنب إني شكيت في قلب أمي، والذنب إني ما لاحظتش كسرة عينها وهي بتقولي “قومي اعملي لهم جبنة”، الذنب إني ما لمحتش الخوف في عينها وهي باصة للباب مستنية طارق يدخل بفرضه وشرطه.
قمت وقفلت القهوة اللي تبرد. الولاد كانوا بيلعبوا في الصالة، يبصوا لي ويضحكوا من غير ما يفهموا حاجة من نار امبارح ولا سر النهارده. قربت منهم وحضنتهم بقوة، وكأني بعتذر لهم في سري، وبعتذر لأمي اللي ظلمتها.
بس المشكلة مكنتش بس في معرفة الحقيقة… المشكلة كانت في اللي لازم يتعمل بعد كده.
هل أسكت وأسيب أمي رهينة لفلوس طارق وتحكماته؟ هل أطنش وأمثل إني ما عرفتش حاجة وأفضل أزورها وأنا متجاهلة إن عيالي ممنوعين من أكل البيت؟ ولا أواجه؟ ولو واجهت… هجيب منين الفلوس اللي تدفع حقن ظهرها ومصاريف البيت اللي المعاش مش بيغطيها؟
لبست طرحتي بسرعة، وجمعت كل غوايش الدهب البسيطة اللي كنت شايلاها للزمن في علبتها الصغيرة. بصيت للمراية وقولت لنفسي: “أمي كبرتنا بعز، ومش هسمح لراجل غريب يكسر عينها في أواخر أيامها ولا يخيّرها بين أحفادها.”
