حكايات روماني مكرم 2

قلبي نط من مكانه، وما قدرتش أمسك نفسي! نسيت الخوف ونسيت كلام جمعة ونسيت الصعيد وقوانينه.. قومت من مكاني وبقيت أجري ناحيتهم وأنا بصرخ بصوت مخنوق ودموعي نازلة:

ـ “يا شهد! يا جنى! يا سسسيد! انتظروا عشان خاطر ربنا!”

سيد وقف مكانه زي الصنم، والبنات اتسمروا. لما قربت وشلت الشال عن وشي، شهد رجعت لورا بخوف، وجنى استخبت في ضهر أبوها.

سيد بص لي.. ونظرة عينيه كانت تحول الفجر لليل كحل. ما كانش فيها غضب وزعيق زي يوم الطلاق.. كان فيها كره ناشف وبارد، كره أبرد من ج\ثة أمه اللي سبتها في الأوضة!

خطى ناحيتي خطوات بطيئة، وفي الوقت ده، أبواب البيت الكبير بدأت تتفتح، وعموم البنات وإخوات سيد الشباب بدأوا يخرجوا للشارع بعد ما سمعوا الصوت…

خرجوا إخوات سيد وولاد عمومة العيلة من الباب الكبير، وجوههم مكشرة وعيونهم فيها شراسة البلد وقسوتها. وقفت في نص الشارع الترابي وركبي بتخبط في بعضها، الدموع نازلة تغمي عينيا، وبصيت لسيد وبناتي وترميت على الأرض تحت رجلين سيد، مسكت في ذيل جلابيته وأنا بنحب وببكي بحرقة:

ـ “سامحني يا سيد.. عشان خاطر ربنا وحق النبي تسامحني! أنا غلت يا خويا، كان عقلي فين ومش عارفة عملت كده إزاي! حرمت نفسي من كل حاجة، من بيتي وبناتي وسيرتي، بس ما تحرمنيش من ولادي يا سيد.. اطردني، اضربني، اعمل فيا اللي يعجبك، بس ما تخلينيش أموت بالقهرة بعيد عنهم!”

البنات كانوا بيعيطوا بصوت مكتوم، جنى حطت إيدها على بؤها وشهد عينيها في الأرض ومش قادرة تبص لي. إخوات سيد قربوا وسيد رفع إيده عشان يوقفهم، وبص لي وهو واقف فوق رأسي كأنه جبل عالي ومش حاسس بأي رحمة ناحيتي.

سيد وطي شوية، وطبق إيده على دراعي وشدني بقوة وقسوة عشان أقوم أقف، وقال بصوت واطي ومزلزل، صوت طلع من بين سنانه كأنه حجر بيطحن حجر:

ـ “انطقي.. كبرتي في نظرك لما أكلتي الممبار والكوارع والست ج\ثة جنبك؟ اتبسطتي بالأكلة اللي بعتي عشانها بيتك وعشرة سنين؟”

أنا هزيت رأسي وأنا بصرخ: “والله ندمت! والله العظيم اللقمة دي كانت ألعن لقمة دخلت بؤي! أنا بقيت عايشة زي الميتين يا سيد!”

سيد نفض إيده من دراعي كأنه لمس حاجة نجسَة، وبص لإخواته وللبنات، وبعدين رجع بص لي وقال بجمود يرعب:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *