حكايات روماني مكرم 2

وفي يوم، وأنا قاعدة في أوضتي عند سعاد، الباب خبط.. فتحت، لقيت جنى ابنتي الصغيرة واقفة برة ومتقلدة شنطة مدرستها، وعينيها مليانة دموع. بصت لي وقالت بصوت واطي:

ـ “بابا مسافر بكره الصعيد يا ماما.. وجيت أقولك إن أكلة الممبار دي، قتلتنا كلنا مش تيتا بس.”

سابتني ومشت تجري، وأنا وقفت في نص الصالة، حاسة إن البيت كله بيلف بيا، والأيام اللي جاية مش شايلة لي غير الضلام..

 

كلام “جنى” ونظرة عينيها وهي بتبعد عني وتجري على السلم نزلت على قلبي زي مية النار. قفلت الباب وقعدت وراه على الأرض، مش قادرة أخد نفسي. الكلمة كانت أتقل من الطلاق وأصعب من الفضيحة: *”أكلة الممبار قتلتنا كلنا مش تيتا بس”*.

تمر الأيام وأنا محبوسة في أوضة صغيرة في بيت أختي سعاد. الشارع اللي كنت بمشي فيه وراسي مرفوعة، بقيت أخاف أطل من شباكه. سيرة “ماجدة بتاعة الممبار” بقت الأكل والشرب للناس في المنطقة. سعاد نفسها، رغم إنها أختي وتستر عليا، بدأت تزهق. جوزها كل يوم ينكد عليها ويقولها: “أختك هتقعد عندنا لغاية أمتى؟ الناس بتاكل وشنا في الشارع، وأنا راجل عندي بنات ومستقبلهم هيتقفل بسبب السيرة دي!”

كنت أسمع الكلام ده وأسكت، أكل في نفسي وأسكت. الوجع الأكبر ما كانش الطلاق ولا كلام الناس، الوجع الحقيقي كان حرمان البنات. “شهد” قفلت تليفونها خالص وما بقتش ترد عليا، و”جنى” بعد ما جرت يوميها اختفت هي كمان.

وفي يوم جمعة.. نفس اليوم اللي الشؤم دخل فيه حياتي من شهرين، صحيت على صوت دوشة برة الشقة. خرجت أتسحب من الأوضة، لقيت أخويا “جمعة” قاعد مع جوز سعاد ووشه أصفر ومغيم. أول ما شافني بص لي بحدة وقال:

ـ “سيد وبناته مشيوا النهاردة الصبح يا ماجدة. باع الشقة بـ نُص تمنها للغريب عشان يخلص من الريحة والسيرة، ولم هدوم البنات وأخد شنطه وسافروا الصعيد.. قفل الصفحة للأبد.”

دموعي نزلت من غير ما أحس، وقعدت على أقرب كرسي: “طب والبنات يا جمعة؟ ما سابوش أي كلمة؟ رقم تليفون جديد؟ أي حاجة؟”

جمعة ضحك بتهكم وقسوة: “تسأل عليكي العافية! شهد غيرت خطها، وسيد حلف على العيلة كلها في الصعيد إن اللي يوصلك بيهم أو يخليكِ تشوفي البنات، لا هو أخوه ولا يعرفه! انتِ بقيتِ بالنسبة لهم ماضي أسود اتدفن مع أمهم.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *