حماتي اخدت مني العكازين – محمد نور

— هي اللي اتكعبلت ووقعت لوحدها!
مصطفى غمّض عينه بقلة حيلة لثواني.
أنا حافظة التعبير ده على وشه… كان بيحاول يمسك أعصابه ويكتم كل الوجع اللي جواه.
— لما مريم اتكسرت رجليها، قلتي بتتمارض وتتدلع. ولما أجبرتيها تطبخ، قلتي بتعلميها الأصول. ولما زقيتيها وهي حامل، قلتي وقعت لوحدها! أنتِ عمرك ما اعترفتي بغلطك ولا شلتي مسؤولية حاجة أبداً!
— عشان أنت مش فاهم الست دي على حقيقتها!
— لا، فاهم كويس أوي هي مين.
مصطفى لف وبص ناحية الواجهة القزاز.
عيوننا اتقابلت من ورا القزاز.
— دي الإنسانة اللي فضلت جنبي واستحملت سنين، وأنا معمي ومش شايف إن أمي كانت بتهدم بيتي وبتدمرها.
الحاجّة كريمة بدأت تعيط وتصوّت:
— هتسيبهم ياخدوا الست اللي جابتك الدنيا ودعت لك؟
مصطفى أخد وقته عقبال ما رد:
— عشان أنتِ اللي جبتيني الدنيا… كنت بتمنى تفهمي إن مريم هي كمان من حقها تعيش حياتها.
الشرطة أخدوها ومشوا.
اليلادي دي تقريباً ما اتكلمناش.
مصطفى عمل شوربة دافية، غرف لي طبق، وقعد جنبي على الكنبة.
— أنتِ كويسة؟
حطيت إيدي على بطني.
بنتنا تحركت.
— ديلوقتي… اه.
حط كفه فوق إيدي:
— أنا النهاردة فهمت حاجة —قلت له.
— إيه هي؟
— طول السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إني لو اتكلمت هخرب البيوت وأهدم عيلتنا… بس اكتشفت إن السكوت هو اللي كان هيضيعني ويقضي عليّ.
مصطفى نزل راسه في الأرض:
— أنا كمان كان عليّ ذنب كبير.
— أنت ماكنتش تعرف كل حاجة.
— بس كنت عارف اللي يخليني أسأل وأدقّق أكتَر.
ولأول مرة اتكلمنا بمنتهى الصراحة من غير ما نخبّي حاجة.
حكيت له عن كل مكالمة من أمه… عن كل مرة طلبت فيها فلوس… عن كل مرة شتمت فيها أمي… وعن كل عزومة كانت بتخليني أخدم فيها والكل قاعد حاطط رجل على رجل.
مصطفى كان بيسمعني ودموعه نازلة من غير ما يقاطعني.
لما خلصت كلامي، بص لي:
— ليه استحملتي كل ده؟
بصيت لإيديا… نفس الإيدين اللي عملت آلاف الشموع… ونفس الإيدين اللي من كام شهر كانت بتتسحب على أرض المطبخ.
— عشان حبك خلاني أفتكر إني لازم أستحمل أي حاجة عشانك.
مسك إيديا الاثنين:
— عمر ده ما هيحصل تاني.
الأيام اللي بعدها كانت هادية بشكل غريب.
المحامية فهمتنا إن الأدلة كاملة عشان نطالب بحقنا في قضايا الاعتداء، والتلفيات، وكسر قرار عدم التعرض.


