سـم حمـاتي ج 2 حكـايات مني السيد حصري

لمحة نيوز
وتخليهم يحسوا إنهم شحاتين في بيت أبوهم؟ لأ.. لحد هنا والسما تتطبق على الأرض!
بصيت لطارق اللي كان باصص لي بنظرة كلها ندم وعذاب، وقلت له طارق.. أنا من يوم ما دخلت البيت ده، دخلته بكرامتي وبأصلي. عمري ما طلبت منك فوق طاقتك، وعمري ما بصيت لإيد حد غيرك. الفلوس اللي في جيبي دي، فلوس جمعيتي اللي كنت شايلاها عشان مصاريف ولادك وعشان أستر بيتك، نزلت وجبت بيها الجدي والبط والحاجة اللي ترفع راسك قدام عمك وأهلك، عشان أنا بنت أصول وعارفة يعني إيه واجب ويعني إيه راجل وشه يفضل مرفوع قدام ناسو.. بس أنا كرامتي مش مداس، ولقمة عيالي مش رخيصة عشان تتهان بالشكل ده!
طارق دمعته نزلت، مسحها بسرعة بضهر إيده، وقرب مني قدام عمه وقدام أخوه وقدام أمه، ومسك إيدي الاتنين وباسهم قدام الكل، وقال بصوت عالي حقك عليا يا أسماء.. حقك على راسي من فوق. أنتي ست البنات، وأنتي اللي صايناني وصاينة عرضي وبيتي. اللي يمسك بكلمة يمسني أنا في شرفي ورجولتي، ومن النهاردة مفيش مخلوق في الدنيا دي له كلمة عليكي، ولا له حكم على لقمتك ولقمة عيالي!
الحاج عبد الرحيم قرب مني، وطبطب على كتفي بحنية الأب، وقال بصوت مليان رضا يسلم البطن اللي شالتك يا بنتي، ويسلم الراجل اللي رباكي وعلمك الأصول. أنتي ميتخافش عليكي، وأنتي اللي يتشال جميلك فوق الراس. اطلعي يا بنتي هاتي الخير اللي عندك، وخلينا ناكل من لقمة الست الأصيلة اللي بتعرف يعني إيه كرم ونخوة.
بصيت لحماتي نظرة أخيرة، مكنتش نظرة شماتة.. كانت نظرة ست خدت حقها تالت ومتلت من غير ما تغلط ولا تمد إيدها، بل بالحق وبالأصول. حماتي دخلت أوضتها وقفلت الباب عليها بالمفتاح، ومخرجتش منه طول اليوم، صوت نحيبها المكتوم كان طالع من ورا الباب، مكسورة ومفضوحة بين حيطان بيتها.
طلعت أنا وطارق شقتنا، ومعانا أولاد عم طارق الكبار، نزلوا الصواني والخزين. وقفت في المطبخ، مش مطبخ حماتي.. وقفت في مطبخي أنا، شقتي اللي كانت مليانة نور وبركة. ريحة الرز البسمتي بالمكسرات والزعفران كانت قالية العمارة، صواني الجدي البلدي وهو طالع من الفرن وشه بيلمع ومتحمر بالسمنة البلدي، ودكرين البط اللي واخدين لون دهبي يرد الروح، وشوربتهم الدسمة اللي نزل فيها لسان العصفور، والحمام المحشي فريك اللي ريحته كانت معبية الشارع كله.
السفرة الكبيرة اللي في الصالة تحت اتفرشت، سفرة ملوكي تليق بعزوة الحاج عبد الرحيم. الرجالة قعدوا، والعيال اتجمعوا. عمر ومازن كانوا لابسين أحسن هدوم عندهم، قاعدين جنب أبوهم وجنب عمهم الكبير، اللي كان بيقطع من لحم الجدي ويحط في أطباقهم بإيده وهو بيقولهم كلوا يا رجالة.. كلوا من خير أبوكم وخير أمكم الست الأصيلة، اللي مفيش زيها في الحريم! عمر ومازن كانوا بياكلوا وفرحانين، عينيهم كانت بتلمع بالفخر، والكسرة اللي كانت في قلوبهم من كام يوم اتمسحت كأنها مكنتش.
طارق قعد ياكل، بس عينه مكنتش بتنزل من عليا. كان باصص لي بنظرة راجل عارف قيمة الجوهرة اللي في إيده، وعارف إنه كان هيخسرها بغباء وضعف.
بعد ما العزومة خلصت، والرجالة شربوا الشاي التقيل على الفحم، الحاج عبد الرحيم نده لطارق وأخوه محمود في المندرة وقفل الباب عليهم. قعدوا ييجوا ساعة، صوت الحاج عبد الرحيم كان حاسم وقاطع. ولما الباب اتفتح، نزل القرار اللي لا رجعة فيه.. الحاج عبد الرحيم نده عليا، وقالي قدام الكل شوفي يا بنتي.. المفتاح اللي كان بيفتح باب شقتك ده، ملوش وجود من النهاردة. كالون بابك يتغير الليلة، ومفيش حد يدخل شقتك إلا بإذنك ورضاكي، حتى لو كانت أم طارق نفسها. وطارق هيمشي بيكي وببيتك باستقلال تام، ومصروف بيتك في إيدك أنتي، تدبري وتعيشي زي ما أنتي شايفة، ومحدش له دعوة أنتي طبختي إيه ولا سويتي إيه، حتى لو طبختي لعيالك عيش وملح، ده سر بيتك ومحدش يتعداه!
بصيت لطارق، هز راسه بتأكيد وقالي من بكرة الصبح يا أسماء، الكالون هيتغير، والمفتاح معاكي أنتي بس. وحقك محفوظ لحد ما أموت.
في اليوم ده، العمارة كلها عرفت الحكاية. الجيران اللي كانوا بيسمعوا همسات نجوى ولمز حماتي في المدخل، شافوا الصواني وهي نازلة، وسمعوا صوت الحق لما نطق. نجوى فضلت محبوسة في شقتها تلات أسابيع مكسوفة تنزل تقابل حد في المدخل، وجوزها محمود خصم منها المصروف ومسك هو تدبير البيت بعد ما عرف إنها كانت بتغرق في الديون عشان بس تتمنظر وتكيد فيا.
أما حماتي.. فخرجت تاني يوم وراحت لدكتور الضغط، ورجعت ساكتة، مكسورة الجناح. مبقتش تطلع عندي ولا خطوة واحدة، وبقت لما تشوفني نازلة على السلم، توطي راسها وتمشي جنب الحيط، بعد ما كانت بتمشي تفرش ريشها زي الطاووس. وأنا.. مكنتش قاسية معاها. لما كانت تعيى، كنت أبعت لها مع عمر صينية شوربة دافية أو علبة الدوا بتاعتها، عشان أثبت لها إن بنت الأصول بتعمل بأصلها وبتربي عيالها على البر، حتى لو اللي قدامها ميستاهلش، بس كان بيني وبينها سور عالي من الاحترام البارد والحدود اللي مفيهاش تهاون.
مرت الأيام، ورجعت شقتي لهدوءها ولبركتها. يوم الخميس اللي بعده، كنت واقفة في المطبخ، حلة المكرونة بالصلصة الحمرا كانت بتكتك على النار، وريحة التوم والسمنة البلدي مالية البيت، وجنبها طبق البطاطس المحمرة المقرمشة وطبق سلطة خضرا يفتح النفس. حطيت الطبلية في الصالة، عمر ومازن جريوا وقعدوا، ماسكين المعالق وبيضحكوا. طارق دخل من باب الشقة، بالمفتاح الجديد بتاعه، شم الريحة وابتسم ابتسامة صريحة طالعة من قلبه. قلع جزمته، وغسل إيده، وجه قعد على الأرض جنب عياله، ومسك المعلقة وقال بصوت عالي سمّع البيت كله بسم الله الرحمن الرحيم.. تسلم إيدك يا أم عمر، والله مفيش أحسن ولا أطعم ولا أبرك من لقمة بيتك، ده الأكل اللي يرد الروح بجد!
العيال ضحكوا وبدأوا ياكلوا بشهية، وأنا قعدت جنبهم، بصيت لعيالي وبصيت لجوزي، وحسيت براحة وسكينة مكنتش حسيت بيها من شهور. عرفت ساعتها إن الصبر لما بيتبعه حق وقوة، بيجيب كرامة مفيش قوة في الدنيا تقدر تهزها، وإن البيوت متتبنيش بالمظاهر ولا باللحمة والفراخ، البيوت بتتبني بالرضا، وبالستر، وباحترام اللقمة الحلال اللي نازلة من عرق الجبين.
الباب اللي كان مفتوح على الغل والمراقبة اتقفل بالضبة والمفتاح، وانفجر في وش كل اللي حاولوا يهدوه، وفضلت شقتي عمرانة بالضحكة، وبالحب، وباللقمة الهنية اللي مكفيانا ومفرّحة قلوبنا، من غير ما نخاف من عين بصاصة، ولا كلمة مسمومة تسرق مننا طعم الحياة.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *