حكايات اماني السيد 4 والاخيره

سادت حالة من الذهول والعمق في الصالة، وانقطعت أنفاس فتحية تماماً وهي شايفه الموبايل محطوط على السبيكر وصوت حسين يرن في المكان.

حسين استغرب النبرة القاسية والغريبة في صوت سارة، وسكت لحظة وقال بقلة صبر وقلق:

«يعني إيه ما عملش العملية يا سارة؟ إنتي فين دلوقتي؟ وعلي جراله حاجة؟ ماتقولي في إيه خضتيني!»

سارة بصت لفتحية بجمود، وقالت بصوت واضح وثابت:

«علي بخير ووسط ناسه يا حسين.. علي لا عنده زرع كلى، ولا بيموت في المستشفى، ولا انمنع عنه الزيارة.. علي مراته خططت واستغلت خوفك وطيبتك وغربتك، وعملت القصة دي كلها عشان تاخد الـ 100 ألف جنيه بتوع الجمعية والشقا اللي أنا اتغربت واستنيته سنين عشان أوضب بيه بيتي.. تسدد بيه ديون وشيكات علي في تجارتهم المخسورة!»

سكت حسين على الناحية التانية.. سكون مرعب، كأن الخط اتصلد أو الموبايل وقع من إيده. ثواني مرت كأنها سنين، وبعدها خرج صوته وهو بيرتعش من الذهول والتكذيب:

«سارة.. إنتي بتقولي إيه؟ إنتي أكيـد فاهمة غلط.. فتحية هي اللي اتصلت عليا ودموعها مغرقة الدنيا وتستنجد بيا، وعلي أخيـا!»

هنا قربت حماته من الموبايل وهي بتبكي بحرقة وصوتها مكسور بالعار، وصرخت في السماعة:

«مرتك مابتكذبش يا حسين! مرتك بتقول الحق يا ابني.. أنا أمك وواقفة أهو شايفاه بعيني وبسمع الخيانة بأذني.. أخوك ومراته ضحكوا عليك وعلى مرتك، واستغلوا مرض علي الوهمي عشان يسرقوا فلوسكم ومجهودكم.. أخوك بعتك وباع شقاك عشان يغطي على خايبته وخيبته!»

الكلمات نزلت على حسين في الغربة زي الصاعقة.. صدمة أخوه اللي كان مستعد يضحي بعرقه ودمه عشان ينقذه، تطلع مجرد لعبة وسرقة جهاراً نهاراً!

سمعوا صوت حسين عبر الهاتف وهو بيلهث بتعب شديد، وصوته بيتحول من الذهول لبركان من الغضب مكتوم:

«أمي؟ إنتي بتتكلمي جد؟ علي.. علي عمل فيا أنا كده؟»

سارة ما سابتش فرصة للتحوير، فتحت الموبايل الثاني وتبعتت له فوراً على الواتساب التسجيلات الصوتية لفتحية وهي بتبتزها، والفيديو اللي سجلته لعلي وهو قاعد في مكتب المقاولات بيضحك وبيمضي عقود بصحته الكاملة.

حسين فتح الفيديوهات في ساعتها، وسمعوا صوته عبر المكالمة الجماعية وهو بيشوف الفيديو والتسجيلات.. سمعوا صوت تكسير حاجة جنبه في الغربة، وزئير غضب طالع من أعماق قلبه:

«يا واطيين! بقى أنا بفني عمري وصحتي في الغربة بعيد عن بيتي وأهلي، وبحرم نفسي من اللقمة عشان أساعدكم.. تقوموا تدعوا عليا بالمرض والموت وتسرقوا تعب مراتي وعرقها؟»

فتحية انقضت على الموبايل وهي بتبكي بانهيار هيستيري وبتصرخ:

«والله يا حسين ما كان قصدي! علي كان هيتسجن والشيكات كانت هتخرب بيتنا! أنا أسفة يا حسين أبوس إيدك ما تخربش بيتي!»

حسين صرخ فيها بنبرة ترعب:

«اقفلي بقك يا حية! حسـابك معايا حساب تاني خالص.. فين باقي الفلوس؟ فين الـ 100 ألف جنيه بتوع سارة؟»

سارة اتكلمت بصرامة:

«رجّعوا 60 ألف يا حسين، والـ 40 ألف الباقيين علي واقف دلوقتي مع محامي تحت عمارة شغاله بيحاول يلفق لي محضر ويماطل عشان ما يدفعهمش!»

حسين قال بصوت حازم قاطع زي السيف:

«اسمعيني يا سارة.. حقي وحقك مش هيضيع منه مليم واحد.. قفلي المكالمة دي دلوقتي، وأنا هعرف إزاي أخلي علي يرجع الـ 40 ألف جنيه كاش قبل ما الشمس تغرب النهاردة!»

قفل حسين المكالمة في وشهم.. الصالة رجعت لسكونها الخانق. فتحية قعدت على الأرض بتبكي وتدش على وشها، والحماة بتبص لها بقرف واشمئزاز ورفضت حتى تلمسها أو تطيب خاطرك.

سارة شالت تلفوناتها ببرود، وقالت بحسم:

«أنا عملت اللي عليا وقدمت الدليل لحسين ولحماتي.. قدامك لساعة المظروف يكتمل بـ 40 ألف جنيه، أو الباقي حسين هيتيرتصرف فيه بطريقته.»

مشيت سارة وطلعت شقتها، وسابت فتحية والحماة في معمعة الغضب.

بعد أقل من ساعة واحدة.. سمعت سارة صريخ وزعيق جاي من الشارع تحت العمارة!

طلعت سارة البلكونة وبصت، لقت مفاجأة ما كانتش تتوقعها بسرعة دي:

عربية علي كانت واقفة، وعلي نازل منها وشّه أصفر ومضروب، وجنبه راجلين كبار من كبارات العيلة والمنطقة حبايب حسين، وحسين كان مكلمهم من الغربة ومحملهم أمانة وشارح لهم المهزلة اللي حصلت!

الكبار كانوا ماسكين علي من إيده وبيهينوه في نص الشارع، وأحدهم صرخ في وشه بصوت سمع العمارة كلها:

«بقى بتسرق أخوك المغترب وبتبتز مراته بمرض وهمي يا خسيس؟ الفلوس ترجع حالا يا علي وإلا العيلة كلها هتبرى منك ومش هتدخل العمارة دي تاني!»

علي كان واقف مكسور الخاطر، عينيه في الأرض، وهيبته قدام أهل المنطقة والعيلة اتدمرت تماماً في لحظات. مسك تليفونه بقلة حيلة وهو بيرتعش، وطلب حد يسلفه باقي المبلغ عشان ينقذ ما يمكن إنقاذه من شرفه المتبقي.

وبالفعل، خلال نص ساعة، طلع أحد كبار العيلة ومعاه علي والحماة، وراحم خبطوا على باب سارة..

فتحت سارة الباب، وقف كبير العيلة وقال بنبرة احترام وترضية:

«حقك علينا يا سارة يا بنتي.. حسين كلمنا وشرح لنا المهزلة، وما يرضيناش الشقا ده يضيع.. اتفضلي، دول الـ 40 ألف جنيه الباقيين كاش، كملوا الـ 100 ألف بتوعك كاملين غير مفقوص منها مليم.»

مسكت سارة الفلوس وعدتهم بثبات، وقالت: «كتر خيركم يا حاج.. أنا ما أخدتش غير حقي وحق جوزي.»

علي كان واقف وراهم، مش قادر يرفع عينيه في عين سارة.. ولا حتى قادر ينطق بكلمة واحدة، خسارته بقت مضاعفة: الفلوس اتدفعت، وسرقتهم اتكشفت، وهيبته قدام العيلة والشارع راحت في الوبا.

دخلت سارة شقتها وقفت الفلوس في الخزنة.. تنفست الصعداء وهي حاسة إنها استردت حقها وكبرياءها بحكمة وشجاعة..

لكن.. وفي وسط الفرحة بالنصر، رن تليفون سارة المرة دي.. وكان المتصل **حسين** تاني.

ردت سارة بابتسامة: «ألو يا حسين.. الفلوس وصلتني كاملة خلاص و…»

قطعتها نبرة حسين المخنوقة بالدموع، وهو بيقولها كلام غير مجرى القصة تماماً:

«سارة.. أنا قطعت حجزي وراجع مصر بكرة الصبح.. أنا مش هسيب العيلة دي ولا هسيب اللي حصل يمر بسهولة.. بس القصة ما انتهتش عند الفلوس يا سارة.. أنا اكتشفت حاجة ثانية وأكبر بكثير علي وفتحية كانوا مخبينها عننا كلنا!»

ساد الصمت التام في الأوضة، وسارة ماسكة التليفون وإيدها بتتجمّد بالتدريج. نبرة حسين ما كانتش مجرد غضب من نصباية الفلوس، دي كانت نبرة راجل مكسور ومصدوم صدمة العمر، صدمة صوتها أثقل وأعمق بكثير من سرقة الـ 100 ألف جنيه.

بلعت سارة ريقها بوعورة، وقالت بصوت خافت تحاول تلملم بيه شتات نفسها:

«حسين؟ إيه اللي اكتشفته؟ حسين، اتكلم.. في إيه ثاني غير موضوع الجمعية والشيكات؟»

تنهّد حسين تنهيدة حارّة عبر التليفون، سمعت فيها صوت شهقة مكتومة لراجل رافض يبكي، وقال بصوت حزين ومبحوح:

«لما عرفت بالحقيقة وكلمت الحاج توفيق من كبار المنطقة عشان يتدخل وياخد الفلوس من علي، الحاج توفيق ما سكتش.. الراجل انحرج من اللي سمعه وقال لي: “يا حسين يا ابني، أنا لازم أقولك على حاجة مسكوت عنها من زمان، كنت ساكت عشان ما أخرُبش البيت، بس طالما وصلت للنصب والادعاء بالمرض، يبقى لازم تتفتح الملفات كلها”.. اتاري علي مش بس كان غرقان في ديون المواشي والنصب يا سارة.. علي بياخد قروض واعتمد على اسمي وشغلي كضامن ليه من ورايا وبدون علمي من سنة كاملة!»

سارة شهقت وتحطت إيدها على بؤها:

«قروض باسمك إنت؟ إزاي؟ إنت في الغربة بقالك سنتين ما نزلتش!»

رد حسين بصوت مليان مرارة وتعب:

«استغل أوراق الشركة القديمة اللي كنا فاتحينها مع بعض قبل ما أسافر، ومضى بتوقيعي وزوّر توكيلي القديم اللي كان معاه.. علي محملني قروض ووصلات أمانة للبنك ولأشخاص ببطاقتي واسمي أنا! والناس كانت بتسكت وبتستنى عشان عارفة إن حسين مغترب وبيبعت فلوس.. فتحية وعلي كانوا بياكلوا في لحمي وشقايا وبيرموني في الهاوية وأنا عرقان في الغربة وفاكر إنهم أهلي وسندي!»

سارة حسّت بالدم بيغلي في عروقها.. البشاعة وصلت لحد التزوير وخراب البيوت! علي مش بس طمع في الـ 100 ألف بتوع التوضيب، ده كان حاطط حسين في صدر المدفع، ولو البنوك أو أصحاب القروض تحركوا، كان حسين وهو راجع من السفر هيتمسك في المطار ويترمى في السجن فوراً بجريرة أخوه!

سارة قالت بغضب وثبات:

«حسين.. إنت صح. تنزل مصر فوراً.. تنزل وتواجه المهازل دي بنفسك وتغسل القرف ده كله قبل ما يلبسوك في مصيبة إنت مفيش ليك ذنب فيها!»

حسين قال بقلة حيلة ونبرة متقطعة:

«طيارتي بكرة الصبح يا سارة.. أرجوكي ما تحكيش لحماتي ولا لأي حد كلمة عن موضوع القروض والتزوير لحد ما أوصل.. أمي كبرت وممكن يجرالها حاجة من الصدمة.. استنيني بكرة في البيت، الحساب الكبير هيتفتح أول ما رجلي تعتب العمارة.»

قفلت سارة المكالمة، وقعدت على السرير وعقلها بيلف وزي الساقية. الخدعة كانت أكبر وأخطر بكثير من مجرد لعبة حكيتها سلفتها فتحية عشان تاخد فلوس الجمعية.. اللعبة كانت مخطط متكامل لتغطية بلاوي علي وديونه المقفولة بتزوير اسم أخوه!

مرّت ليلة سارة كأنها سنة. ما عرفتش تنام دقيقة واحدة. الأفكار بتاكل في دماغها، والشغلانة بقت أكبر من شقة وتوضيبات، بقت قضية شرف وحياة ومستقبل حسين.

مع إشراق شمس اليوم التالي، نزلت سارة ورتبت شقتها، وحضرت نفسها.. وفي تمام الساعة الواحدة ظهراً، سمعت صوت حركة ودوشة في مدخل العمارة تحت.. صوت خطوات تقيلة وزحمة صاعدة على السلم.

فتحت سارة الباب، وطلعت للبلكونة المطلة على الصالة، وشافت **حسين**!

كان داخلاً العمارة بشنطة سفره، وشه شاحب والتعابير على ملامحه كانت حادة ومظلمة زي سحابة الصيف. وبجنبه الحاج توفيق واثنين من كبارات العيلة والمنطقة.

أول ما شافته حماتها، طلعت تصرخ وتبكي وتترماه في حضنه:

«يا حبيبي يا ابني! يا حسين يا ضنايا.. حقك عليا يا ابني، التربية خابت والعيلة اتفضحت بسببه!»

حسين حضن أمه بهدوء، وطبطب عليها بحنان، بس عينيه كانت تدور في المكان بصرامة، وقال بنبرة واطية وجافة:

«اهدي يا ماما.. اهدي وما تبكيش.. اللي حصل ده أنا جاي أنهيه النهاردة وللأبد.»

رفع حسين عينيه وشاف سارة واقفة فوق عند الباب.. نزل شنطته ونزل نظرة امتنان واحترام لسارة، النظرة اللي بتقولها: “إنتي اللي صنتي بيتي وحميتي حقي لما الكل كان بيستغفلني”.

حسين بصلهم وقال بلهجة حازمة سمعت كل العمارة:

«نادوا لعلي ومراته.. انزلوا كلكم عندي في شقة أمي تحت، الحساب النهاردة مش هيسيب صغيرة ولا كبيرة إلا لما تتفتح وتحط النقاط على الحروف!»

خلال عشر دقائق، كانت الصالة في شقة الحماة مليانة بالناس.. قعد الحاج توفيق وكبار العيلة في ناحية، وحسين قاعد في النص وشه حجر صلب، وسارة واقفة جنبه بصلابة وثبات.

وفي الناحية التانية، دخل علي ووشه في الأرض، وخلفه فتحية بلبسها المبهدل وعيونها المنفوخة من الخوف والبكاء.. ما كانش فاضل فيهم نبرة واحدة من التكبر أو التهديد اللي مارسوه على سارة في الأول.

ساد الصمت في الصالة.. صمت يقطع الأنفاس. حسين بص لأخوه علي لفترة طويلة من غير ما ينطق، نظرة فيها كمية ألم وحسرة تكسر الحجر.

وبعدين، أخرج حسين من جيبه ملف أوراق أصفر، ورماه على الترابيزة في نص الصالة بقوة أحدثت صوتاً مدوياً جعل فتحية تتنفض في مكانها!

قال حسين بصوت جهوري يرن في جدران الشقة:

«الفلوس بتوع الجمعية والـ 100 ألف بتوع سارة ورجعوا وخدنا حقنا كاش.. بس الأوراق اللي قدامي دي يا علي.. الأوراق دي هي اللي جايباني من الغربة مخصوص عشان أسمع منك إجابة واحدة بس!»

علي بلع ريقو بصعوبة ونظر للأوراق المرمية، ووشه اتغير كلياً وبدأ يعرق بغزارة رغم إن الجو ما كانش حر.

حسين صرخ بكل قوته:

«التزوير يا علي! القروض اللي باسمي! الشيكات والمبيعات اللي تمضيت بتوقيعي في البنوك وعند المقاولين وإنت مستغل إني بعيد ومش عارف حاجة! بتعمل فيا أنا كده؟ بتعمل في أخوك الكبير اللي ساب بلده وشغله عشان يكبرك ويعمل لك قيمة في وسط الناس؟»

الحماة سمعت كلمة “قروض وتزوير” وصرخت وضربت على صدرها:

«قروض إيه وتزوير إيه يا حسين؟ إنت بتقول إيه يا ابني؟»

الحاج توفيق اتكلم بصرامة ووجه كلامه للحماة وللحاضرين:

«علي استغل اسم حسين يا أم علي، ومضى على إقرارات وقروض بـ 300 ألف جنيه باسم أخوه المغترب عشان يغطي ديونه ونشاطه الفاشل.. وكان ناوي يسيب حسين يرجع مصر يتسحب من المطار على السجن، وهو قاعد يلعب ويبتز مراته ويمثّل المرض والعمليات!»

الصدمة كانت صاعقة للجميع في القاعة.. فتحية بدأت تبكي وتصرخ:

«أنا ماليش دعوة! والله ما كنت أعرف بموضوع القروض والتزوير ده! هو اللي كان بيعمل كل حاجة من ورايا وعايز يورطنا كلنا!»

علي التفت لمراته بصدمة وغضب وصرخ فيها:

«انتي يا واطية اللي بتقولي ماليش دعوة؟ مش إنتي اللي كنتي بتزنّي عليا عشان أجيب فلوس بأي طريقة عشان التفاخر والديكورات؟ مش إنتي اللي فكرتي في ملعوب زرع الكلى عشان تاخدي فلوس سارة لما سمعتيها عند أمي؟ جاي تبيعين بلمحة عين؟»

وبدأ الشجار ينفجر بين علي وفتحية بأبشع الصور.. كشفوا بعضهم بعضاً، وكل واحد فيهم رمى الغسيل القذر على التاني قدام كبار العيلة وحماتهم وحسين، ليظهر حجم الخزي والدناءة التي وصلت إليها علاقتهما.

حسين وقف من مكانه بكل كبرياء وقوة، ورفع إيده ليوقف المهزلة دي.. وقال بصوت قاطع هز أركان البيت:

«اسكتوا كلكم! كفاية نفاق وقرف لحد كده! أنا ما جيتش من السفر عشان أسمع ردحكم وفرجكم على الناس.. أنا جيت عشان آخد قراري النهائي اللي مش هيرجع فيه مخلوق!»

التفت حسين لأخوه علي، والتفت لسارة، وبص لأمه المكسورة، وقال بصوت حازم لا يحتمل التراجع:

«قدامك خيارين يا علي، ومفيش خيار تالت.. الخيار الأول: إنك بكرة الصبح بدري تنزل معايا للشهر العقاري وللمحامي، وتكتب لي تنازل رسمي عن نصيبك الكامل في شقة العمارة دي وفي الورشة والبيت، لتغطية القروض اللي زوّرتها باسمي وسداد الديون دي فوراً.. وتطلق الحية اللي جنبك دي اللي خربت بيتك وبيتي وكانت السبب في الفتنة والسرقة!»

ثم صمت حسين لحظة، وشعّت من عينيه قوة وصرامة مرعبة، وأضاف:

«أما الخيار الثاني يا علي.. فتحية هتروح بيتها مطرودة النهاردة، وإنت أوراقك بالتزوير والقروض والنصب المحضرة كاملة هتوصل النيابة العامة بكرة الساعة 9 الصبح، وساعتها هتتحبس بالتزوير والنصب، وأنا اللي هرفع عليك القضية بإيدي!»

ساد الذهول والصمت القاتل في الصالة بعد كلام حسين الحاسم والمدوي..

فتحية بصت لعلي برعب وهي مستنية كلمته، وعلي واقف مذهول ومكتوف اليدين بين خسارة شقته وحياته وزوجته، أو الدخول للسجن بفضيلة التزوير والنصب على أخوه!

في هذه اللحظة الخاطفة، رفع علي رأسه، ونظر إلى حسين، ثم نظر إلى سارة بقلة حيلة ونظرة انكسار لم يُرَ مثلها من قبل، وأخذ يناضل ليلتقط أنفاسه قبل أن ينطق بالقرار الذي سيحدد مصير العائلة إلى الأبد…

وقف علي في منتصف الصالة كأنه شجرة جافة عصف بها إعصار شديد، التفت يميناً ويساراً فلم يجد وجهاً واحداً ينظر إليه بعين الرحمة أو الشفقة. كبار العيلة يجلسون بوجوه جهمة كأنهم قضاة ينتظرون النطق بالحكم، وأمه تبكي في صمت وتداري وجهها بوشاحها خجلاً من خزي ولدها، وزوجته فتحية تراجعت إلى الوراء خطوات، تحاول أن تنفض عن نفسها غبار الخدعة وتبحث عن مخرج نجاة فردي ولو كان على حساب كرامة زوجها.

بلع علي ريقه بمرارة، وشعر بأن الأرض تميد تحت قدميه. كان يظن أن استغلال طيبة أخيه المغترب حسين وسذاجة سارة سيكون مجرد جولة سريعة يحقق منها مكاسب مالية وسداداً لديونه، ولم يدُر بخلده لحظة واحدة أن كشف اللعبة سيجرّه إلى هذه الزاوية الضيقة التي يخيّر فيها بين حريته وبين كل ما يملك.

تنفّس علي بصعوبة، وصوته خرج متهدجاً كأنه يخرج من بين أنياب موت محقق:

«أنا موافق يا حسين.. موافق على كل اللي تقوله.. اكتب التنازل اللي إنت عايزه، ونازل معاك بكرة الشهر العقاري أتنازل لك عن نصيبي في الشقة والورشة عشان تسدد القروض والمصايب دي وتفك اسمك من البنوك.. بس أرجوك بلاش النيابة، بلاش حبس وفضايح أكتر من كده أمام الناس والعيلة.»

ساد الصمت القاتل جدران البيت، ولم يكن يُسمع فيه سوى صوت شهقات فتحية العالية التي أدركت في هذه اللحظة أن كل ما حلمت به وقاتلت من أجله بالنصب والكذب قد انهار في لحظة واحدة.

لكن حسين لم يتراجع، بل التفت إلى علي بنبرة قاطعة كالصلب، وقال:

«والشرط التاني يا علي؟ الشرط التاني مش هتنازل عنه ولا هسمح بوجود الحية دي في وسطنا دقيقة واحدة كمان.. دي مش ست تصون بيتك ولا حمت كرامتك، دي كانت أول واحدة شجعتك على التزوير وجرّتك لطريق الحرام والدعاء بالمرض عليا وعليك، وكانت أول واحدة تتخلى عنك وتسيبك تشيل الشيلة لوحدك قدام الناس لما الحقيقة انكشفت.»

علي نظر إلى فتحية بنظرة مليئة بالغل والندم، تذكر في تلك اللحظة كيف وقفت فتحية في هذا المجلس تتبرأ منه وترمي عليه اللوم كله لتنقذ نفسها، وتذكر كيف خططت هي لكل التفاصيل واستغلت طيبة زوجة أخيه سارة واسترجعت شريط الأحداث كله بعينين جديتين.

أخذ علي نفساً عميقاً، وقسّت ملامحه، ثم وقف أمام فتحية مباشرة وقال بصوت حاد هزّ أركان الشقة:

«إنتي طالق يا فتحية.. طالق بالثلاثة.. ويا ريتني ما عرفتك ولا دخلتك بيتي ولا سمعت كلامك وشيطانك اللي خرب بيتي ودمر علاقتي بأخويا وأمي!»

شهقت فتحية وصرخت وهي تضع يديها على رأسها:

«بتطلقني يا علي؟ بتبيعني عشان الفلوس والأرض؟»

رد عليه الحاج توفيق بصوت جاد وحاسم:

«اللي يبيع أهله ويستغل مرض وهمي وينصب على الناس ما يبكيش على بيت اتهد يا فتحية.. اتفضلي شيلي حاجتك وخدي شنطتك واخرجي من العمارة دي فوراً، ومالكيش مكان تاني بين عيلة حسين ولا في العمارة دي خالص.»

خرجت فتحية وهي تجر أذيال الخيبة والعار، تلاحقها نظرات الازدراء من كل من في الشارع، بينما أغلقت حماتها الباب خلفها كأنها تطرد شؤماً طال أمره داخل البيت.

في صباح اليوم التالي، توجه حسين وأخوه علي إلى الشهر العقاري بصحبة الحاج توفيق والمحامي، وقام علي بالتوقيع على كافة التنازلات القانونية والمستندات التي تحمي حسين وتبرئ ذمته تماماً من كافة القروض والتزوير الذي حدث باسمه. تم نقل ملكية الشقة والورشة لحسين ليكون له الحق الكامل في بيعها أو استغلالها لسداد ديون البنك وتصفية المستحقات المالية بالكامل، ليعود حق حسين وثمرته وتعب سنوات غربته مجدداً تحت مظلة الأمان الحقيقي.

بعد انتهاء الإجراءات الرسمية، عاد حسين وسارة إلى شقتهما.. قفل حسين باب الشقة، ونظر إلى سارة بنظرة مليئة بالفخر والاعتنان والتقدير العميق. جلس على الكنبة وسحب نفساً طويلاً كأنه يتنفس الحرية لأول مرة منذ أشهر، ثم أخرج من جيبه مظروف الجمعية الكامل المكون من الـ 100 ألف جنيه وضعها بين يدي سارة بكل احترام.

وقال حسين بنبرة دافئة وصادقة:

«اتفضلي يا سارة.. دي فلوسك، فلوس جمعيتك وحلمك وشقاكي اللي وقفتي تحميها بعقلك وشجاعتك.. إنتي مش بس حميتي فلوسك يا سارة، إنتي حميتي بيتي، وحميتيني أنا شخصياً من السجن والخراب وأنا بعيد في الغربة ومش حاسس باللي بيتدبر لي في الخفاء. لو واحدة غيرك كانت خافت أو اتكسفت أو سكتت عشان مجاملات العيلة، كنت أنا انخرب بيتي وضاع مستقبلي ولبست في قضايا ما أطلعش منها. ربنا يبارك لي فيكي وفي عقلك يا بنت الأصول.»

سارة ابتسمت بابتسامة نصر هادئة صافية، وأخذت المظروف ووضعته على الطاولة، وقالت بنبرة واثقة يملؤها الرضا:

«أنا ما عملتش غير اللي يمليه عليا ضميري يا حسين.. البيت ده بيتنا، وحقك هو حقي، وأنا ما أقبلش إن شقاك وعرقك في الغربة يروح لنصابين أو يستغفلنا حد تحت مسمى القرابة أو العاطفة المزيفة. الفلوس بتروح وتيجي يا حسين، بس الكرامة والحق لو ضاعوا ما بيرجعوش.»

وبعد أيام قليلة، كانت شقة سارة تشهد حركة بركة ونشاطاً جديداً؛ حيث جاء العمال وأخو سارة (أحمد) وبدأت أعمال التوضيبات والديكورات في الشقة كما حلمت بها سارة دائماً، ولكن هذه المرة بقلب مطمئن، وفرحة حقيقية ليس فيها أي شائبة من الشك أو الخوف أو الغدر.

أما علي، فقد تعلم درساً لن ينساه ما عاش؛ فقد خسارة زوجته، وخسر شقته وورشته، وأصبح يعمل كعامل بسيط ليرد ما تبقى من ديونه وتكاليف خطئه، وعاش بعار النصب والتزوير في أعين الجميع. وعلم أن الطمع وجرائم الخداع لا تجلب لصاحبها سوى الانهيار الشامل.

وقفت سارة في صالة شقتها التوضيبات الجديدة، تنظر إلى الطلاء الجديد والألوان التي اختارتها بذوقها، وقالت في سرها الحكمة التي خرجت بها من هذه التجربة القاسية:

> **«إن الطيب ليس مغفلاً، وحسن الظن بالأقارب لا يعني إلغاء العقل أو إغلاق العينين عن الحقائق. العاطفة بلا حزم قد تهدم البيوت، والتسامح في الحقوق المالية تحت ستار “المجاملة العائلية” هو أول خطوات الخراب. الحقيقة قد تكون مؤلمة وتتطلب شجاعة ومواجهة حاسمة، ولكنها الوحيدة التي تحمي الشرف وتصون البيت وتبني الحياة على أساس متين لا تهزه أكاذيب الخائنين.»**

>

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *