حكاوي شيمو ٢

“الصعيد؟!” حسام قالها وهو بيمشي في الصالة جيّة وذهاب زي الأسدر المجروح. “أهل شيماء ناس صعيدة وشادين جدًا في العرف والعادات.. وهما أكيد مش عارفين الحقيقة! هي هناك دلوقتي رايحة لهم بصورة الضحية.. المظلومة اللي اتطردت من بيت جوزها واترمت هي وعيالها، وأكيد حكت لهم قصة من خيالها المريض عشان تقومهم علينا!”
مسكت إيده وأنا خايفة: “يا حسام، دول ممكن يعملوا إيه؟ الرسالة دي تهديد صريح.. هما فاكرين إننا ظلمناها وجينا عليها!”
في نفس الليلة، حسام اتصل بأخوه الكبير (جوز شيماء السابق). أخوه كان صوته مكسور ومهموم، وقال له: “يا حسام، أنا جالي اتصال من كبار عيلتها في القرية هناك.. الراجل الكبير بتاعهم كلمني بصوت ناشف وقاللي إن بنتهم رجعت لهم مكسورة الخاطر، ودماغها تعبانة، وتقول إننا اتهمناها بالباطل ورميناها في الشارع وضربناها! وهما مش هيسكتوا، وميعادهم معانا أسبوع واحد بس.. نازلين القليوبية بحافلة من كبار العيلة عشان ‘يصفوا الحسابات’ ويطالبوا بحقها، يا إما بالقعدة العرفية، يا إما بالدم!”
الكلمة خلت قلبي يقف.. “بالدم!” الموضوع مبقاش مجرد سحر وحسد ومشاكل ستات، الموضوع تحول لطار وخناقة عائلية كبيرة ممكن تروح فيها أرواح.
الأسبوع ده تعدى علينا زي الكابوس. النوم طار من عينيا، وكل ما صوت الباب يرن أو أسمع حركة في الشارع، أتحزم برعشة وأجري أطمن على العيال. إبراهيم وإخواته حسوا بالخوف اللي في البيت، وكانوا يقعدوا حنبي ساكتين، يمسكوا في هدومي وكأنهم خايفين أختفي من قدامهم.
حسام ما قعدش ساكت، جمع كبار عيلتنا وأبويا وجوز أختي، وقعدوا يرتبوا للقعدة العرفية. الشيخ عبد التواب جالي البيت تاني وقال لحسام: “الحقيقة هي سلاحكم الوحيد.. بس أهلها جايين بنار الغضب، والشيطان هيحاول يستغل غضبهم عشان يكمل الدمار اللي شيماء بدأته. لازم تتوكلوا على الله وتجهزوا دلائلكم.”
وجاء اليوم الموعود..
يوم الجمعة بعد الصلاة، الشارع عندنا اتحول لساحة ترقب. ثلاث عربيات دفع رباعي نزل منها رجال بجلابيب صعيدي ووجوه حادة ومظلمة، يتقدمهم شيخ كبير في السن، ذو هيبة وشرار يبص من عينيه، وهو خال شيماء والكبير بتاعهم.
المجلس اتعقد في دوار العيلة عندنا. المكان كان مليان على آخره.. رجال عيلتنا قبالة رجال عيلتها، والجو كان مشحون بالتوتر لدرجة إن الهواء كان يحترق. أنا وأمي أصرين نكون قاعدين في أوضة قريبة بنسمع كل كلمة من ورا الشباك والملاية المتدارية، وبندعي ربنا بالستر.
بدأ خال شيماء الكلام بصوت زي الرعد، ضرب عصايته الأبنوس في الأرض وقال: “إحنا ناس بنعرف الأصول، وما بنسيبش حق بانتنا! بنتنا جتنا مكسورة، عقلها رايح، وتقول إنكم رميتوها بالسحر والحسد وطردتوها من بيتها بعد ما جوزها طلقها وظلمها! إحنا جايين هنا نعرف.. إيه اللي جرى لبنتنا؟ وإيه التهمة الباطلة دي اللي ترموها بيها؟! لو ما أثبتوش كلامكم بالدليل القاطع، يبقى شرف بنتنا وحقها برقابكم كلكم!”
الهدوء ساد الدوار، والكل بص لحسام وأخوه.
قام أخو حسام وقف، وصوته كان مليان حزن وأسى، وقال: “يا حاج.. إحنا نكن لكم ولعيلتكم كل احترام، وعمرنا ما جينا على ولاد الأصول. بس بنتكم شيماء هي اللي بتبدأ بالشر، وهي اللي جابت الخراب لبيتي وبيتك أخويا!”
خالها اتعصب ووقف: “كلام مرسل! هاتي الدليل! إنتوا تهمتوها بالدعم والسحر والتخريب.. فين الإثبات؟ ولا هي كلمة حريم وخلاص؟!”
في اللحظة دي، حسام وقف وطلع من جيبه كيس قماش أبيض، وحطه في نص المجلس. وجاب الموبايل بتاعه ووصله بسماعة صوت كبيرة كان مجهزها.
حسام قال بثبات: “يا حاج.. التسجيلات اللي على الموبايل دي بصوت بنتكم، والورقة اللي جوه الكيس دي بخط إيدها لقيناها في كتب عيالي.. والتسجيل الأخير ده كان المكالمة اللي هي اتصلت بيها بمراتي وشمتت فيها وقالتلها بلسانها إنها سقتها حاجة وإن الطلاق هيحصل بالليل!”
شغل حسام الصوت..
صوت شيماء ملأ الدوار كلياته، وهي بتضحك بكهكهة الشر وتقول: “إيه يا حبيبتي؟ سمعت إن حسام ساب البيت؟ مش قلتلك يا أم إبراهيم إنتِ لسه مشوفتيش حاجة؟ الكيس ده كان تسخين.. الحاجة الثقيلة إنتِ شربتيها بإيدك!”
الصوت نزل على رجال الصعيد زي الصاعقة. وجه خالها اتغير ولونه أصفر، وجلس في مكانه ببطء وهو مش مصدق اللي بيسمعه. رجال عيلتها بدأوا يبصوا لبعض بذهول وصدمة.
كمل حسام وشغل تسجيل تاني.. مكالمة أخوه لما اتصل بيه بالليل وهو بيبكي وبيقول إنها قفلت الأوضة وولعت نار في الهدوم والكتب وكانت هتقتل ولادها بالسكينة!
حسام بص لخالها وقال بدفعة وجع: “بنتكم ما اترماتش يا حاج.. بنتكم الشياطين لعبت بدماغها بسبب الغل والحقد، وكانت هتطير أرواح عيالها الصغار بغير ذنب! إحنا ما ظلمناهاش.. هي اللي ظلمت نفسها ودمرت بيتها بكتفها!”
السكوت كان يقطع بالسكين في المكان. خال شيماء حط إيده على وشه وقعد فترة طويلة ساكت. أخيراً رفع رأسه، وعينيه كانت مليانة خيبة أمل وقهر، وقال بنبرة مكسورة: “أعوذ بالله من الرجيم.. أعوذ بالله من شر النفوس.”
وقف الخال ومسك عصايته، وبص لحسام ولأخوه وقال: “حقكم علينا.. إحنا ناس بنعرف الحق، والحق أحق أن يتبع. بنتنا طلعت مريضة بالغل والشر، وأذتكم وأذت عيالها قبل ما تأذيكم. إحنا بنعتذر لكم قدام كل الرجال دول، وبنتنا مالهاش رجعة للبيت ده، وحقكم في رقبتنا.”
حسام قرب منه وباس رأسه وقال: “إحنا مش عايزين غير إن كل واحد يروح لحاله، وهي تروح تتعالج وتبعد عن طريقنا.”
وانتهت القعدة العرفية بالصلح والتراجع، وجات الإغاثة من ربنا وكشف الحقيقة قدام أهلها.
بعد ما هديت الأمور ومرت أيام، والبيت بدأ يرجع لطبيعته، وكنت قاعدة في الصالة بذاكر لإبراهيم وأخوه على نفس الطبليّة، والضحكة بدأت ترجع لوشوشنا من تاني.. رن تليفون حسام.
كان المتصل هو الشيخ عبد التواب.
حسام فتح السبيكر، والشيخ عبد التواب قال بنبرة قلقة وجادة جداً: “يا حسام.. أنا جايلك في الطريق فوراً. أنا كنت بقرأ على البيت بتاع أخوك عشان أطهره، ولقيت حاجة دفناها شيماء تحت بلاطة المطبخ قبل ما تمشي.. حاجة مش مخصصة ليك ولا لمراتك بس.. دي حاجة مخصصة للبيت كله، ولو ما اتفكتش قبل الفجر، الكارثة الحقيقية هتبدأ!”

